حسام بدراوي يكتب: من خريفٍ طويل.. إلى ربيعٍ منتظر

ليست الأمم مجرد خرائط تُرسم على الورق، ولا حدود تُحرس بالسلاح، ولا أرقام تُعلنها الحكومات فى بياناتها.

الأمم فى جوهرها حالات وعى.

وحين تمرض الأمة لا يظهر مرضها أولاً فى اقتصادها أو سياستها، بل فى علاقتها بنفسها، وبالزمن، وبالمعنى الذى تعيش من أجله.

ومصر- تلك الأرض التى علّمت الإنسان القديم كيف يواجه الموت بالحضارة، وكيف يحوّل الحجر إلى معنى، والزمن إلى خلود- تبدو اليوم وكأنها تعيش مفارقة قاسية:

تاريخٌ عظيم تعرفه، وحاضرٌ مُربك تحياه، ومستقبلٌ تخشاه أكثر مما تنتظره.

وبين هذه الأزمنة الثلاثة، يقف الإنسان المصرى متعبًا.. كأن الزمن داخله لم يعد يسير فى اتجاه واحد.

إنه خريفٌ طويل.

لكن الخريف فى قوانين الطبيعة ليس موتًا.

بل لحظة انسحاب الحياة إلى الجذور استعدادًا لربيعٍ جديد.

وربما كانت أزمة مصر الحقيقية ليست أنها فقدت قدرتها على النهوض، بل أنها نسيت لبعض الوقت، أين تكمن هذه القدرة.

أولًا: الخريف الداخلى

ليست أزمة مصر فى شُحّ مواردها.

فالنيل لايزال يجرى، والشمس لاتزال تُشرق، والأرض لاتزال قادرة على العطاء، والشباب لايزال يتجدد مع كل جيل.

لكن الأمم لا تسقط فقط حين تفقد مواردها.. بل حين يفقد إنسانها المعنى.

حين يفقد الإنسان معنى ما يفعله، لا يتوقف عن الحركة، بل تصبح حركته بلا اتجاه.

يعمل دون أن يعرف لماذا يعمل، ويسعى دون أن يعرف إلى أين يسعى، ويستهلك أيامه فى معركة بقاء طويلة، حتى ينسى السؤال الأهم:

إلى أين تمضى حياته كلها؟

وهكذا تبدأ الأوراق فى التساقط..

لا لأن الريح أقوى من الشجرة، بل لأن الشجرة نفسها نسيت ولو مؤقتًا أنها شجرة.

الإنسان المصرى اليوم يحمل داخله تناقضًا مؤلمًا:

يفخر بماضٍ لم يصنعه، ويُرهقه حاضرٌ لا يستطيع تغييره، ويخاف مستقبلًا لا يملك أدواته بعد.

وحين تنفصل الأزمنة الثلاثة داخل وعى الإنسان، يبدأ الخريف الداخلى.

الخريف ليس فقرًا فقط، ولا فسادًا فقط، ولا بيروقراطيةً فقط.

هذه أعراض قد تُصيب أى مجتمع.

أما الجرح الأعمق فهو أن الإنسان يفقد علاقته الحقيقية بذاته.

حين ينسى الإنسان أن يسأل:

لماذا أعمل؟

لماذا أتعلم؟

لماذا أعيش؟

وماذا أترك بعدى؟

فى تلك اللحظة يتحول المجتمع كله إلى حركة ضخمة بلا بوصلة.

يسير الناس لأن الجميع يسيرون.

يصمتون لأن الصمت أكثر أمانًا.

ويتكيفون لأن التكيف أقل كلفة من التغيير.

وهكذا تتراكم الأجيال فوق بعضها، لا وهى تبنى المستقبل، بل وهى ترث الإرهاق نفسه، والخوف نفسه، والأسئلة المؤجلة نفسها.

ثانيًا: الإنسان المصرى والزمن

ربما كانت العلاقة المربكة بين المصرى والزمن واحدة من أعمق أزمات الوعى فى مصر الحديثة.

فالمصرى يعيش داخل ظلّ تاريخ هائل. تاريخ لا يُنسى، لكنه أحيانًا يتحول دون أن نشعر من مصدر إلهام إلى عبء نفسى.

لقد اعتاد المصرى أن يسمع أنه ابن حضارة عظيمة.

ابن الأهرام، والنيل، وأقدم دولة عرفها التاريخ.

لكنه نادرًا ما يتوقف ليسأل نفسه السؤال الأصعب:

وكيف أكون عظيمًا أنا.. الآن؟

وهنا يبدأ التحدى.

حين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 16 ساعة
بوابة الأهرام منذ 12 ساعة
بوابة الأهرام منذ 9 ساعات
مصراوي منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 12 ساعة
بوابة أخبار اليوم منذ 8 ساعات
صحيفة الدستور المصرية منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 15 ساعة