امتحانات إشهاديةأم مداهمات للرّعب والارتباك

لم يعد مشهد قاعات الامتحانات الإشهادية في بلدنا يبعث على الهيبة العلمية أو يكرس قيم التحصيل المعرفي بل أضحى وللأسف أقرب إلى لقطات حيّة من مداهمة أمنية لتفكيك شبكة تهريب دولية عابرة للحدود.

تُطالعنا بعض القنوات بلقطات توثيقية تقشعر لها الأبدان:

رجل يحمل حقيبة على ظهره يجوب الممرات ممسكاً بأجهزة استشعار إلكترونية يمررها فوق رؤوس وأجساد تلاميذ قاصرين بحثاً عن هاتف نقال أو شريحة رقمية.

المشهد في كليته وبطقوسه الصّارمة يحاكي تماماً بروتوكولات تفتيش المشبوهين في قضايا المخدرات.

وهنا يُطرح السؤال الصادم الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه بمسؤولية:

متى تحول تلامذتنا في نظر المنظومة التعليمية من طلبة علم ومعرفة إلى متهمين ومشبوهين حتى تثبت براءتهم؟

ألا يوجد عاقل واحد داخل دهاليز الوزارة الوصية يملك الحد الأدنى من الإدراك السيكولوجي ليتساءل عن الانعكاسات النفسية التدميرية لهذه الممارسات؟

إن إدخال أجهزة الرصد والتفتيش إلى قلب فضاء الاختبار ليس مجرد إجراء تنظيمي بسيط بل عملية ترهيب نفسي ممنهج كفيل بتشتيت تركيز أكثر التلاميذ نجابة ونقاوة

َوكيف لطالب أن يستجمع شتات فكره الإبداعي والنقدي وأجهزة الاستشعار تطوق جسده بنبضاتها الشامتة؟

إن رهان الحفاظ على تكافؤ الفرص ومحاربة الغش رهان مشروع لا يختلف عليه اثنان لكن الإبداع الإداري الحقيقي يكمن في ابتكار معادلة تجمع بين توفير شروط الاطمئنان والسكينة للتلاميذ وبين مراقبة سلامة الامتحان ونزاهته أما الاختباء وراء الحلول الأمنية الفجة فهو دليل عجز صريح عن التدبير التربوي الحديث.

وإذا كان ولابد من الاستعانة بالتكنولوجيا السلكية واللاسلكية لضبط المتربصين بنزاهة الشهادات فلماذا لم يستحضر العقل المدبر فكرة بوابات الكشف الإلكترونية عند المداخل الرئيسية للمؤسسات تماماً كما يحدث في المطارات والمرافق السيادية؟

إنّ تصفية الشبهات عند الباب الخارجي تضمن ولوج الطالب إلى قاعته بنقاء ذهني ونفسي وتحفظ للمؤسسة التربوية وقارها وحرمتها بدلاً من تحويل الطاولات الدراسية إلى مسرح لعمليات التفتيش المهينة.

لكن الصدمة البصرية الأكبر والمفارقة الأكثر بؤساً وسخرية في هذا المشهد السريالي تتبدى في ذلك التناقض الصارخ حيث تجود علينا الوزارة بآخر ما ابدع في مختبرات التكنولوجيا من أجهزة رصد متطورة وموجات كهرومغناطيسية ومراقبة رقمية صارمة في حين يجلس التلميذ فوق مقعد دراسي خشبي متهالك قد يكون جده الخامس في ثلاثينيات القرن الماضي قد اجتاز فيه امتحانه الإشهادية !

إن هذا التباين الفاضح يلخص أزمة التعليم في عمقها:

استثمار باذخ وسريع في أدوات الزجر والمراقبة مقابل إهمال تاريخي ومزمن لـ بيئة التعلم والراحة التي يقضي فيها الطالب زهرة شبابه.

وفي غمرة هذا البؤس التربوي المحلي استحضر خرجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أسابيع على هامش مؤتمر أفريقيا فرنسا في ميامي ليعلن بكثير من الثقة أن المغرب قام بثورة حقيقية على مستوى التربية والتعليم مستدلاً على ذلك باحتلال الطلاب المغاربة للمراتب الأولى في كبريات المدارس العليا الفرنسية وهنا يطرح تساؤل مشروع:

هل يكذب السيد الرئيس؟

أبداً..

لكنه يرى نصف الكأس المملوء ويغفل النصف الفارغ الذي يتجرع المغاربة مرارته يومياً

فالتفوق الذي أشاد به ماكرون هو نتاج مدرسة النخبة أي الأقسام التحضيرية وبعض الثانويات النموذجية التي تحظى بعناية خاصة وتمويل استثنائي وتضم صفوة الصفوة أما القاعدة العريضة من أبناء الشعب في المدرسة العمومية فهم الذين يواجهون المقاعد المتهالكة و سيكولوجية الرعب في قاعات الامتحان.

إنها المفارقة المغربية الصارخة: إنتاج التميز في قمم المنظومة وتكريس البؤس والتدبير الأمني في قاعدتها

إن محاربة الغش لا تنطلق من ترهيب التلاميذ في اللحظات الأخيرة بأجهزة كشف المعادن بل تبدأ من إعادة الاعتبار للمدرسةوللمناهج ولنفسية الطالب المعوزة إلى الأمان لا إلى رجل الحقيبة الذي يزرع الرعب باسم القانون.

هذه مهازل سيئة الإخراج فأبناؤنا طلاب علم.. وليسوا متّهمين مع وقف التنفيذ.

يوسف غريب كاتب صحفي


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ 6 دقائق
منذ 3 ساعات
منذ 55 دقيقة
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 15 ساعة
موقع بالواضح منذ 3 ساعات
أشطاري 24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات