مقال تركي القبلان: السعودية بوصفها موقعا لإنتاج الجيوبوليتيك

ثمة حراك نظري نشط حول السعودية في العقد الأخير تنتظم فيه أقلام غربية وعربية، وتتشكل حوله مراكز فكر ومؤتمرات وأوراق بحثية متلاحقة. لكن المتأمل في هذا الإنتاج المتدفق يكتشف تدريجيا أن وفرته الكمية تخفي قصورا نوعيا عميقا؛ فالحراك كله - على اختلاف مدارسه - ما يزال يدور حول المملكة دون أن يلتقط طبيعتها الجيوبوليتيكية الخاصة. الكتابة عن السعودية ليست هي الكتابة فيها، والفرق بين الموقفين لا يحسم زاوية النظر فحسب، إنما يحسم طبيعة المعرفة التي تنتج عنهما.

تنزلق القراءات الغالبة في هذا الحراك إلى ثلاث طبقات من سوء الفهم تستحق التشخيص. الطبقة الأولى تنظر إلى السعودية بوصفها خزانا للموارد فتختزلها إلى فرع من جيوبوليتيك الطاقة، وتجعل أهميتها دالة على ما تؤمنه للنظام الدولي لا على ما تفعله بنفسها. والطبقة الثانية تتعامل معها بوصفها ساحة استقطاب بين القوى الكبرى فتحصر دورها في الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك.

أما الطبقة الثالثة وهي الأكثر التباسا لأنها تدعي الاعتراف بفاعليتها فتعاملها بوصفها نسخة من نموذج «القوة الصاعدة» المعروف في الأدبيات التقليدية، فتقيسها بمعايير صممت لحالات تاريخية مختلفة. هذه المقاربات الثلاث رغم اختلافها الظاهري تلتقي عند خطأ بنيوي واحد: أنها تفترض السعودية موضوعا للجيوبوليتيك لا موقعا يسهم في إعادة صياغته.

ما يفوت هذا الحراك أعمق من مجرد سوء تقدير لدور دولة مؤثرة؛ إذ إن السعودية تمثل حالة تظهر حدود التصنيفات الجيوبوليتيكية السائدة، وتفرض الحاجة إلى تطوير إطار تفسيري أكثر قدرة على استيعاب طبيعتها المركبة.

فهي قلب العالم الإسلامي بحرميه الشريفين بحيث يصعب تصور أي معادلة إسلامية كبرى من دون المرور بها. وهي في الوقت نفسه مركز محوري في أسواق الطاقة العالمية وفاعل اقتصادي سيادي يمتلك حضورا استثماريا عابرا للقارات، ودولة ذات عمق تاريخي وجغرافي يحتل قلب الجزيرة العربية ويتقاطع مع معظم توازنات الإقليم. هذه العناصر ليست فريدة كل على حدة؛ فالعالم يعرف دولا تملك الحجم، أو الموقع، أو الثقل الحضاري، أو الكتلة السكانية. لكن فرادة السعودية تنبع من اجتماع هذه العناصر داخل بنية واحدة متماسكة، تنتج نمطا من الفاعلية لا تلتقطه بسهولة النماذج الكلاسيكية للصعود أو التوازن.

من هنا تبدو السعودية أقرب إلى فاعل مركب يجمع بين خصائص لا تجتمع عادة في حالة واحدة: ثقل ديني كوني، وموقع طاقوي محوري، وموارد سيادية ضخمة، وحضور متنام في الاقتصاد العالمي، مع قدرة لافتة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي والإقليمي أثناء إعادة التموضع الدولي. ولهذا لا تبدو مقاربتها باعتبارها قوة صاعدة بالمعنى التقليدي كافية لفهم سلوكها. فالقضية ليست في حجم الدولة فقط بل في نوع التأثير داخل النظام الدولي.

من هذه الملاحظة تنبثق فكرة مختلفة عما يطرحه الحراك القائم يمكن تسميتها: (الردع بالكلفة المتأصلة)، الردع التقليدي عند توماس شيلينغ قام على فكرة العقاب أي أن الفاعل يردع خصمه لأنه يملك القدرة على إيلامه ثم تطور لاحقا إلى الردع بالحرمان أي: القدرة على إفشال الهجوم ومنع تحقيق أهدافه. أما الردع بالكلفة المتأصلة فيقوم على منطق مختلف: جعل الإضرار بالفاعل منتجا تلقائيا لكلفة بنيوية على المعتدي نفسه بسبب تشابك هذا الفاعل مع وظائف النظام الدولي لا بسبب قدرته العقابية المباشرة فقط. الكلفة هنا لا تفرض من الخارج فحسب بل تنبع من طبيعة الاعتداء ذاتها.

في الحالة السعودية تظهر هذه الآلية عبر ثلاثة مستويات متداخلة: الاقتصاد، والإطار، والزمن. فعندما تمتلك المملكة استثمارات سيادية وشبكات حضور ممتدة في الاقتصاد العالمي فإن الإضرار بها لا يبقى شأنا محليا بل يتحول إلى اضطراب يطال مصالح دول وأسواق متعددة. وعندما تفرض شرطا بنيويا في قضايا الإقليم - كما في ربط التطبيع بقيام الدولة الفلسطينية - فإن تجاهل هذا الشرط لا يستنزفها وحدها بل يستنزف قدرة الأطراف الأخرى على إنتاج تسويات مستقرة. أما الزمن فهو البعد الأكثر دقة؛ إذ لا تتحرك جميع الدول بالإيقاع نفسه، وبعض الفاعلين يخسرون مع مرور الوقت أكثر مما يخسره.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة مكة

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة سبق منذ 4 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعتين
صحيفة سبق منذ 6 ساعات
صحيفة الوئام منذ 12 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ ساعتين
صحيفة سبق منذ 22 ساعة
صحيفة الوئام منذ 11 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات