من المعروف اليوم أن المدة التي يمضيها معظم الناس في التحضير لعطلاتهم وقضائها تتجاوز الوقت الذي يخصصونه لتخطيط مسيرتهم المهنية وتطويرها، غير أن المسيرة المهنية تُعد ضمن أبرز العوامل المؤثرة في الرضا عن الحياة؛ ولهذا لا بُدّ من اعتماد منهجية فعالة في إدارة مسيرتك المهنية والتخطيط لنموها وتطويرها بعناية.
وانطلاقاً من خبرتي الواسعة كمدربة في التطوير المهني ومستشارة سابقة في استقطاب الكفاءات التنفيذية، لمستُ عن كثب كيف يترك العديد من المحترفين التنفيذيين مساراتهم المهنية للصدفة. يكتفي هؤلاء بانتظار الفرص الواردة إليهم، مثل العروض التي يقدمها مستشارو استقطاب الكفاءات التنفيذية، ولا يتكلّفون عناء التعمّق في دراسة الدور الوظيفي لمعرفة مدى ملاءمته لهم وقدرته على تلبية أهدافهم المهني، أو قد يفقدون وظيفتهم في سيناريو أسوأ نتيجة قرار استراتيجي لمؤسستهم بتغيير توجه عملها، أي بعيداً عن أدائهم الفردي ومخرجاتهم. وعند أول فرصة تلوح في الأفق، يسعى التنفيذيون في كلتا الحالتين إلى اغتنامها رغم أنها قد لا تكون الخطوة الصحيحة على المدى الطويل أو المباشر.
والدليل على ذلك تكشفه دراسة أجرتها شركة «هارفي ناش» لاستقطاب الكفاءات التنفيذية، فقد وجدت أن 39% من الرؤساء التنفيذيين فكروا في ترك مناصبهم الجديدة خلال الأشهر الثلاثة الأولى، بينما شعر نصفهم فقط (48%) بالانسجام ضمن المؤسسة.
إن الحل الأمثل في جميع السيناريوهات هو أن تعمل على التخطيط لمسيرتك المهنية وإدارتها استباقياً. ومن أبرز الأدلة العلمية الداعمة لهذا النهج هي نظرية إريكسون لمراحل النمو النفسي الاجتماعي، التي تقول إننا من مرحلة الطفولة المبكرة حتى الشيخوخة نستمر في مواجهة تحديات يتزايد تعقيدها بمرور الوقت، وعند اجتيازها بنجاح فإننا نخرج بشخصية واثقة تتمتع بالمقدرة على حل الأزمات اللاحقة. بينما يؤدي الإخفاق في تجاوز مرحلة ما إلى تراجع القدرة على المضي قدماً وضعف الثقة بالنفس. وتُعتبر المرحلتان السابعة والثامنة (مرحلة البلوغ المتوسطة والشيخوخة) الأكثر ارتباطاً بإدارة المسار المهني وفقاً لهذه النظرية، حيث تبدأ المرحلة السابعة تقريباً في سن الأربعين والخمسين، ويسعى فيها الأشخاص للعثور على مغزى لعملهم بهدف المساهمة في المجتمع وتكوين إرث لأنفسهم.
أما في المرحلة الثامنة، فيبحث الأفراد عن شعور الرضى والإنجاز الملموس. في المقابل، تنطوي إدارة المسيرة المهنية على إتقان جميع المهارات وتوظيفها على أكمل وجه، وإدراك الفرد مساهماته وأثره في حياته نفسها وعبر المجتمع، والتمتّع بحياة رغيدة، وبالتالي فهي تؤسس للشعور بالرضا والاكتفاء في مراحل لاحقة من الحياة.
ما هي علامات التخطيط المهني الناجح؟
عند إدارة المسار المهني، عليك باستخدام الأدوات والخطوات ذاتها التي تعتمدها من أجل وضع استراتيجية أو تطوير خطة عمل ما. على سبيل المثال، يمكنك الاستعانة ببطاقة الأداء المتوازن (Balanced Scorecard) لتحديد معايير النجاح في مسيرتك المهنية، واتباع منهجية قبعات التفكير الست من أجل بلورة الأهداف المهنية وتقييم الفرص المتاحة، بالإضافة إلى تخصيص الوقت الكافي لفهم الدوافع المحفزة والعوامل الباعثة على الشعور بالرضا والإنجاز.
حدد غايتك بوضوح
إن معرفة غايتك الفعلية وصياغة منظومة قيم واضحة ليسا ثمرة لحظة عابرة، بل يتطلبان تأملاً عميقاً وجهداً صادقاً مع الذات. وفي ما يلي مجموعة من الأسئلة التي تساعدك على تحديد هذه الرؤية:
ما الذي يُوقد شغفك لليوم التالي من العمل؟
أي إنجاز في مسيرتك المهنية يمنحك شعوراً عميقاً بالفخر بنفسك؟
تخيّل أنك حاضرٌ حفل تقاعدك. ما الانطباع الذي تركته لدى مديرك وزملائك؟ وكيف سيصفون الأثر الذي تركته؟
ومتى بدأت ملامح غايتك في التشكّل، وتجلّت قيمك بوضوح، أمكنك التعمّق أكثر في هذه الرؤية لتحويلها لاحقاً إلى خطوات عملية تكشف عن طاقاتك المهنية الكامنة.
ومن أفضل الأدوات في هذا السياق هو تحليل نقاط القوة والضعف، والفرص والتهديدات (SWOT)، إذ يتيح لك قراءة ذاتك ومحيطك بوعي منهجي، وإليك تفسيره عملياً:
على صعيد نقاط القوة، تأمّل ما تتقنه فعلياً، وما تمتلكه من مهارات وموارد يمكنك الاعتماد عليها بثقة، وما الذي يميزك عن غيرك، وكيف يراك الآخرون من زاوية التفوق.
أما نقاط الضعف، فتتجلى في مواطن القصور التي تحتاج إلى تطوير، والفجوات التي قد تعيق تقدمك، والعوائق التي تحدّ من انطلاقتك، من منظور الآخرين لك ولعملك.
وفي الفرص، انظر إلى التوجهات الرائجة في محيطك المهني، وحدّد من يحتاج إلى مهاراتك، وكيف يمكنك تحويل مكامن قوتك إلى فرص ملموسة للنمو والتقدم.
أما التهديدات، فتشمل المتغيرات التي قد تُضيّق نطاق خياراتك، وحركة المنافسين، والتحديات المحتملة، فضلاً عن العوامل الخارجة عن نطاق سيطرتك.
ارتقِ بأهدافك
بعد استكمال هذا التحليل، اجعل من نقاط قوتك والفرص المتاحة منطلقاً راسخاً لصياغة أهدافك، واضعاً في الحسبان أن هذه العملية مسارٌ تراكمي، يتطلب مراجعة مستمرة ووعياً ناقداً، لتوجيه عمليات التكرار والتعديلات على نحو مدروس. وأيضاً، أفسح لنفسك مجالاً كافياً للتعمق في فهم القطاعات والشركات والأدوار التي قد تنتقل إليها تالياً، وتأمّلها بعين فاحصة، آخذاً في الاعتبار عناصر محورية مثل نماذج الملكية، وطبيعة القطاع، والنطاق الجغرافي، وتنوع المجالات الوظيفية، إلى جانب حجم المؤسسة وثقافتها التنظيمية. وكثيراً ما ينبثق الوضوح من الاستبعاد المدروس للخيارات غير المرغوب فيها؛ فحين تُقصيها، ترتسم أمامك ملامح هدفك بوضوح. ومن هنا، ضع تصوراً واضحاً لمكانتك المهنية بعد عشر سنوات عبر أهدافٍ مرحلية متدرجة لخمس سنوات، ثم ثلاث، فهدفٍ سنوي يضعك على أول الطريق.
ارسم خططك بوضوح
وبمجرد أن تستقر على مجموعة من الأهداف الواقعية، يصبح من الضروري ترجمتها في منظومة من الخطط المتكاملة. وقد تتمثل خطتك الأساسية في الانتقال إلى مسارٍ مهني جديد، أو دور مختلف، أو مؤسسة جديدة، مما يستلزم مثلاً تحديد الدورات التدريبية، والمؤتمرات، والفعاليات المهنية التي من شأنها أن تعزّز معارفك وتصقل مهاراتك. وحافظ كذلك على علاقاتك الحالية القائمة على الثقة والتقدير، فهي تمثّل رصيداً مهنياً ثميناً، ومن الحكمة استثمارها على النحو الأمثل.
وبموازاة ذلك، ضع خطةً بديلة للبحث عن فرص النمو والتطور داخل مؤسستك الحالية. غير أن جوهر التقدّم لا يكمن في التخطيط وحده، بل في المبادرة بالفعل. وكما تشير هيرمينيا إيبارا من كلية لندن للأعمال، فإن المسار الأكثر شيوعاً للتحول المهني يبدأ بمبادرات جانبية أو مشاريع إضافية، تتيح لك اكتساب المعارف، وبناء المهارات، وتوسيع شبكة علاقاتك. ومن خلال هذه التجارب، تختبر أفكاراً جديدة وتتضح لك الغاية، بما يعزّز متانة خطتك الأساسية. كما يمكنك المبادرة في الانضمام إلى مشاريع جديدة أو مهام انتقالية، فضلاً عن استثمار فهمك العميق لبيئة عملك، والفرص المتاحة، ونقاط قوتك، واقتراح مبادراتٍ تضيف قيمة حقيقية للمؤسسة وتمنحك دافعاً متجدداً.
وقد يستغرق الوصول إلى الدور المنشود عاماً أو أكثر، لذا احرص على توظيف علاقاتك الاجتماعية والمهنية لتعزيز شعورك بالإنجاز في الحاضر، مع الالتزام بقياس تقدمك ومراجعته بانتظام، سواء على أساس أسبوعي أو شهري.
وقد يتطلب التحرك الفعّال دعماً ورعاية من الآخرين، لذا يُنصح بإعداد خريطة الجهات المعنية لتحديد الجهات والأفراد القادرين على دعمك، وإدارة هذه العلاقات بعناية ووعي. ففي سياق خطتك البديلة، يمكنك تحديد من يمتلك القدرة على فتح آفاق جديدة أمامك داخل المؤسسة، أو تزويدك بالمعلومات التي تعزّز تطورك في دورك الحالي؛ خاصةً أصحاب التأثير، ومن يُظهرون اهتماماً بك أو بالمشاريع التي تسعى إلى دفعها قدماً.
أما في إطار خطتك الأساسية، فعليك بالتوسع خارج حدود شبكة علاقاتك الحالية، من خلال إعداد خريطة موازية تستهدف علاقات جديدة. وتؤكد إيبارا في هذا السياق أهمية بناء العلاقات مع أشخاص قادرين على دعم انتقالك المهني، وهو ما يستدعي الانفتاح على دوائر جديدة وتمتين العلاقات الضعيفة. ورغم أن بناء الشبكات المهنية قد يثير التردد أو القلق لدى البعض، فإنه يبقى من أهم الخطوات في أي خطة مهنية. وقد طرحتُ مقالةً سابقة بداية العام عن أهمية العلاقات، ناقشتُ فيها أن العلاقات تتجاوز نطاق التواصل إلى كونها ممارسة استراتيجية شاملة تُبنى على وضوح الهدف وعمق القيمة المتبادلة.
وفي المحصلة، تظل مسيرتك المهنية أحد أبرز مصادر الشعور بالرضا عن حياتك، ولذلك لا بدّ من إدارتها بوعي ومسؤولية. فلا تتركها رهينة للظروف والصدفة أو لتقديرات الآخرين، بل بادر بتحديد غايتك، وصياغة أهدافك على مدى زمني يمتد من عام إلى عشرة، وبناء خطط واضحة المعالم، ثم التحرّك بثبات وقياس مستوى التقدم بانتظام.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
