حين تتهم الأغلبية المعارضة بالأخبار الزائفة.. لماذا تخاف السياسة من لجنة تقصي الحقائق؟

ليس المطلوب من المواطن أن يكون مع المعارضة أو مع الأغلبية. وليس مطلوباً منه أن يصفق لحزب أو يهاجم آخر. المطلوب فقط أن يجد أمامه أرقاماً واضحة، ووثائق قابلة للفحص، ومؤسسات تفتح الطريق أمام الحقيقة بدل أن تتركه عالقاً بين خطابين: خطاب يقول إن المعارضة تعيش على الأخبار الزائفة، وخطاب يقول إن الأغلبية تهرب من المحاسبة.

لهذا أثار تصريح محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، نقاشاً سياسياً يتجاوز عباراته المباشرة. فقد اتهم المعارضة بالاعتماد على الأخبار الزائفة والتضليل، واعتبر أن الحقائق والأرقام والمنجزات الميدانية أقوى من الشعارات، وأن المعارضة لن تصمد أمام الحقيقة.

هذا الكلام، من حيث المبدأ، يمكن أن يكون صحيحاً إذا كانت الأغلبية تملك ما يكفي من الوثائق والأرقام التي تفند اتهامات خصومها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط ومشروع: إذا كانت الحقيقة إلى جانب الحكومة والأغلبية، فلماذا لا تُفتح الأبواب أمام آلية برلمانية قوية وموثقة مثل لجنة تقصي الحقائق؟

لجنة تقصي الحقائق ليست محكمة. ولا تعني، بمجرد تشكيلها، أن هناك فساداً ثابتاً أو مسؤولاً مداناً أو جهة متورطة. هي آلية دستورية لجمع المعلومات حول وقائع معينة أو تدبير مصالح ومؤسسات عمومية، ثم عرض النتائج على المؤسسة التشريعية والرأي العام عبر تقرير قابل للنقاش.

وهنا يكمن جوهر المسألة. من يتهم المعارضة بنشر الأخبار الزائفة يملك فرصة ذهبية لإسكاتها: افتح اللجنة، قدم الوثائق، اعرض اللوائح، اشرح مسار الدعم، بيّن من استفاد، وكم استفاد، وما أثر ذلك على السوق والأسعار. عندها فقط يمكن القول للمواطن إن اتهامات المعارضة لم تصمد أمام الوقائع.

أما أن تُرفع راية الحقيقة في الخطاب السياسي، ثم تُغلق أمامها إحدى آلياتها المؤسساتية، فذلك يضعف الحجة بدل أن يقويها. فالمواطن لا يطلب من السياسيين تبادل الاتهامات، بل يسأل: أين الوثيقة؟ أين الرقم؟ أين لائحة المستفيدين؟ أين أثر الدعم على الأسعار؟ ولماذا لم يشعر المستهلك، في السوق، بالنتيجة التي قيل إن الدعم وُجد من أجلها؟

في ملف دعم استيراد الأغنام، توجد أرقام رسمية لا يمكن تجاهلها. فقد أعلنت وزارة الفلاحة أن تكلفة الدعم الاستثنائي لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023، و244 مليون درهم سنة 2024.

وتحدثت الوزارة أيضاً عن استيراد حوالي 875 ألف رأس من الأغنام، موزعة بين 386 ألف رأس سنة 2023 و489 ألف رأس سنة 2024، مع استفادة 156 مستورداً من العملية، بينهم 61 مستورداً سنة 2023 و95 مستورداً سنة 2024.

هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تنهي النقاش. فهي تجيب عن جزء من السؤال: كم بلغ الدعم؟ وكم رأساً تم استيراده؟ وكم مستورداً استفاد؟ لكنها لا تجيب وحدها عن أسئلة أخرى لا تقل أهمية: هل وصل أثر الدعم إلى المواطن؟ هل انعكس فعلاً على الأسعار؟ هل كانت شروط الاستفادة عادلة وشفافة؟ هل جرى تتبع مسار الأغنام من الاستيراد إلى السوق؟ وهل كان هناك فرق بين الغاية المعلنة والنتيجة الواقعية؟

لهذا لا يكفي أن تقول الأغلبية إن المعارضة تكذب. ولا يكفي أن تقول المعارضة إن الأغلبية تخفي الحقيقة. في السياسة الجادة، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يضع الدليل فوق الطاولة.

من حق الأغلبية أن تدافع عن حصيلتها. ومن حق المعارضة أن تسائل وتشكك وتطلب التحقيق. لكن حق المواطن أعلى من هذا وذاك: أن يعرف الحقيقة بطريقة مؤسساتية لا عبر التسريبات ولا عبر التخمينات ولا عبر مقاطع منصات التواصل.

والحقيقة أن فشل أو تعطيل مسار لجنة تقصي الحقائق، أو عدم توفير النصاب اللازم لها، لا يثبت وحده وجود فساد. هذه نقطة يجب قولها بوضوح. لكن الفشل السياسي في فتح التحقيق يعمق الشك الشعبي، خصوصاً حين يكون الملف مرتبطاً بمال عام وبقدرة الأسر على شراء أضحية أو لحم أو مواد أساسية.

هنا تصبح المسؤولية مزدوجة. على المعارضة أن تقدم معطيات دقيقة لا شعارات عامة، وأن تحدد ما تريد التحقيق فيه بالأرقام والوقائع لا بالإيحاءات. وعلى الأغلبية أن تتوقف عن اعتبار كل سؤال تشكيكاً وكل انتقاد تضليلاً، لأن السياسة التي تثق في نفسها لا تخاف من الوثائق.

إذا كانت المعارضة تبني خطابها على أخبار زائفة، فإن لجنة تقصي الحقائق ستكشف ذلك وتضعفها أمام الرأي العام. وإذا كانت المعارضة تطرح أسئلة حقيقية، فإن اللجنة ستمنح البلد فرصة لفهم الخلل وتصحيحه. وفي الحالتين، الرابح هو المواطن، والخاسر الوحيد هو الغموض.

القضية ليست في أن نصدق هذا الطرف أو ذاك. القضية في أن نرفض تحويل السياسة إلى مباراة في الاتهامات. حين يقال للمواطن إن المعارضة تنشر الزيف، ثم يرى أن الطريق المؤسساتي إلى التحقق لم يفتح، فمن الطبيعي أن يسأل: لماذا الخوف من الحقيقة؟

وفي المقابل، حين تقول المعارضة إنها تدافع عن الحقيقة، فهي مطالبة بأن تخرج من لغة الغضب إلى لغة الملف: تواريخ، مراسلات، أرقام، لوائح، أسئلة محددة، وطلبات تقصي مكتملة الشروط. فالحقيقة لا تُبنى على الانفعال وحده، بل على ترتيب الدليل.

الخلاصة أن محمد شوكي قد يكون محقاً إذا كانت المعارضة فعلاً تبني جزءاً من خطابها على مبالغات أو معطيات غير دقيقة. والمعارضة قد تكون محقة إذا كانت تطالب بالتحقيق في ملف لم تُجب عنه الأرقام الرسمية بما يكفي. لكن لا هذا ولا ذاك يمكن حسمه بالتصريحات وحدها.

الفيصل الحقيقي هو الشفافية. والآلية الأوضح هي التقصي. وما دام باب التقصي لم يُفتح بشكل كامل، سيبقى السؤال معلقاً: هل المعارضة تقول الحقيقة، أم إن الأغلبية لا تريد أن تُختبر حقيقتها بالوثائق؟

عبدالله بن عيسى


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 26 دقيقة
هسبريس منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ ساعتين
جريدة تيليغراف المغربية منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
2M.ma منذ 4 ساعات