حتى في سن متقدمة.. دراسة تكشف كيف قد يحمي نمط الحياة الصحي الذاكرة

كشفت دراسة علمية منشورة في مجلة Nature Communications أن الالتزام بنمط حياة صحي، حتى في مراحل متأخرة من العمر، قد يرتبط بإبطاء معدل التدهور المعرفي لدى كبار السن، بما في ذلك الأشخاص الذين يحملون استعدادا وراثيا أعلى لمشاكل الإدراك والذاكرة.

وتؤكد الدراسة أن هذه النتائج لا تعني وجود علاج أو ضمان للوقاية من الخرف، لكنها تقدم مؤشرا مهما على أن العادات اليومية القابلة للتغيير قد تلعب دورا واضحا في حماية القدرات الذهنية مع التقدم في السن.

ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنسبة للأسر التي تعتني بكبار السن، بما في ذلك داخل المغرب وسوس ماسة، حيث ترتفع الحاجة إلى نشر الوعي الصحي حول التغذية، الحركة، الإقلاع عن التدخين، وتقليل العادات التي قد تؤثر على صحة الدماغ.

اعتمد الباحثون على بيانات من المسح الصيني الطولي للصحة وطول العمر، خلال الفترة الممتدة بين 1998 و2018، وشملت الدراسة 18 ألفا و811 مشاركا من كبار السن. كما توفرت بيانات وراثية لدى عينة فرعية مكونة من 6301 مشارك.

وقام الباحثون بدراسة العلاقة بين نمط الحياة العام، والاستعداد الوراثي، وتغير القدرات المعرفية مع مرور الوقت. وشملت المتابعة جوانب متعددة من الإدراك، من بينها التوجه، الانتباه والحساب، اللغة، التسمية، التذكر، والقدرة البصرية الإنشائية.

وبحسب الدراسة، جرى تصنيف أنماط الحياة إلى غير ملائمة، متوسطة، وملائمة، بناء على مجموعة من العوامل الصحية. وتشمل هذه العوامل، وفق ما ورد في الدراسة، جودة النظام الغذائي، النشاط البدني، عدم التدخين، والحد من شرب الكحول.

أظهرت النتائج أن المشاركين الذين اتبعوا نمط حياة صحيا ملائما سجلوا معدل تدهور معرفي أبطأ بنسبة 46.81 في المائة مقارنة بمن اتبعوا نمط حياة غير ملائم. كما لوحظت نتائج متقاربة في أغلب المجالات المعرفية التي شملتها الدراسة.

أما المشاركون الذين صنفوا ضمن فئة الاستعداد الوراثي المرتفع، فقد كان لديهم معدل تدهور معرفي أسرع بنسبة 12.5 في المائة، وفق ما خلص إليه الباحثون.

ورغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن الأشخاص ذوي الاستعداد الوراثي المرتفع والذين التزموا بنمط حياة صحي، عرفوا تدهورا معرفيا أبطأ من أشخاص ذوي استعداد وراثي منخفض لكنهم اتبعوا نمط حياة غير ملائم.

حسب الباحثين، فإن المعطيات توحي بأن فوائد نمط الحياة الصحي قد تكون أقوى من تأثير بعض العوامل الوراثية المرتبطة بتسارع التدهور المعرفي. غير أن الدراسة لا تقدم دليلا على إلغاء الخطر الوراثي بشكل كامل، بل تشير إلى إمكانية التخفيف من أثره.

وهذا يعني أن الجينات ليست العامل الوحيد الذي يحدد مسار صحة الدماغ لدى كبار السن. فالعادات اليومية، خاصة عندما تكون مجتمعة ومنتظمة، قد تساعد على الحفاظ على الأداء الذهني لمدة أطول.

وتنسجم هذه الخلاصة مع توجهات صحية عالمية تؤكد أهمية الوقاية، خصوصا أن أمراض التدهور المعرفي والخرف تمثل تحديا متزايدا مع ارتفاع متوسط العمر وتزايد أعداد كبار السن.

تسلط الدراسة الضوء على أن الوقاية من التدهور المعرفي لا ترتبط فقط بالعلاج الطبي، بل تشمل أيضا نمطا يوميا متوازنا. ويشمل ذلك تناول غذاء متوازن، ممارسة نشاط بدني مناسب للحالة الصحية، تجنب التدخين، والابتعاد عن السلوكيات التي قد تضر بالصحة العامة.

ومع أن الدراسة أجريت على عينة من كبار السن في الصين، فإن رسالتها العامة تظل مهمة: تبني عادات صحية في سن متأخرة قد يكون مفيدا، ولا ينبغي اعتبار التقدم في العمر سببا للتخلي عن تغيير نمط الحياة.

وبالنسبة لكبار السن، ينصح عادة باستشارة الطبيب قبل تغيير النظام الغذائي أو بدء نشاط بدني جديد، خصوصا عند وجود أمراض مزمنة مثل السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، أو مشاكل الحركة.

تقدم هذه الدراسة رسالة عملية للأسر ومقدمي الرعاية، مفادها أن دعم كبار السن في تبني عادات صحية قد ينعكس إيجابا على جودة حياتهم واستقلاليتهم اليومية.

فالمساعدة على تنظيم الوجبات، تشجيع المشي أو الحركة الخفيفة، توفير بيئة اجتماعية داعمة، والحد من العزلة، كلها خطوات قد تساهم بشكل غير مباشر في الحفاظ على صحة الدماغ.

ولا يتعلق الأمر بتدخلات معقدة أو مكلفة بالضرورة، بل بسلوكيات متراكمة يمكن إدماجها تدريجيا في الحياة اليومية، حسب القدرة الصحية والبدنية لكل شخص.

رغم أهمية النتائج، يجب التعامل معها بحذر. فالدراسة قائمة على تحليل ارتباطات طويلة المدى، ولا تثبت بالضرورة علاقة سببية مباشرة بين نمط الحياة وتباطؤ التدهور المعرفي.

كما أن النتائج مرتبطة بعينة محددة من كبار السن في الصين، وقد تختلف التفاصيل حسب الخلفية الجينية، النظام الغذائي، البيئة الاجتماعية، ومستوى الرعاية الصحية في بلدان أخرى.

لذلك، لا ينبغي تقديم نمط الحياة الصحي كبديل عن المتابعة الطبية أو كوسيلة مضمونة لمنع الخرف. لكنه يظل، وفق المعطيات المتوفرة، عاملا مهما يمكن أن يساعد في تقليل المخاطر ودعم صحة الدماغ.

تؤكد الدراسة أن تبني نمط حياة صحي حتى في سن متأخرة قد يرتبط بإبطاء التدهور المعرفي، حتى لدى الأشخاص الأكثر عرضة وراثيا. وهذه رسالة تحمل قدرا من الأمل، لكنها في الوقت نفسه تستدعي التعامل معها بواقعية علمية.

فالشيخوخة الصحية لا تعتمد على عامل واحد، بل على مزيج من التغذية، الحركة، المتابعة الطبية، العلاقات الاجتماعية، والنوم الجيد. وكلما تم الاهتمام بهذه العناصر بشكل مبكر ومستمر، زادت فرص الحفاظ على جودة حياة أفضل.

وبينما تتواصل الأبحاث لفهم العلاقة بين الجينات ونمط الحياة وصحة الدماغ، تظل الخلاصة العملية واضحة: تحسين العادات اليومية قد يكون خطوة مهمة لحماية الذاكرة والقدرات الذهنية مع التقدم في العمر.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ 57 دقيقة
منذ 44 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 22 دقيقة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 15 ساعة
جريدة كفى منذ 14 ساعة
موقع بالواضح منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
2M.ma منذ 9 ساعات