مسقط في 8 يونيو 2026 /العُمانية/ في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه أنماط الاتصال وإنتاج المعرفة، تبرز تساؤلات جديدة حول مستقبل الهُويّة الوطنيّة ودور الإعلام في تشكيلها والمحافظة عليها، ومن هذا المنطلق يأتي كتاب الدكتور خميس المقيمي "مفهوم الأمة في النظم الإعلامية المركزية وتحدّيات الإعلام الجديد.. النظام الإعلامي العُماني كحالة دراسية"، ليقدم قراءة تحليلية للعلاقة بين الإعلام والهُوية الوطنيّة في ظل بيئة اتصالية تتسم بالتعدد والتفاعل واتساع فضاءات التعبير. ويشير المقيمي إلى أن اختيار مفهوم "الأمة" موضوعًا للدراسة جاء نتيجة تقاطع بين الممارسة الإعلامية والتأمل البحثي والمعايشة المباشرة للتحولات التي يشهدها المشهد الاتصالي، موضحًا أن الإعلام، لا سيما في النظم الإعلامية المركزية، لا يقتصر دوره على نقل الأخبار والمعلومات، بل يمتد إلى إدارة المجال الرمزي وصياغة السرديات الوطنية التي تعزز الإحساس المشترك بالانتماء. ويضيف أن مفهوم الأمة شكّل مدخلًا لفهم العلاقة بين الإعلام وبناء الهُويّة الوطنيّة داخل النظم المركزيّة، واستكشاف كيفيّة تأثر هذه العلاقة بالتحوّلات التي أحدثها الإعلام الجديد في بنية الوسيط وأنماط التلقّي ومسارات إنتاج المعنى، كما جاء اختيار الإعلام العُماني بوصفه حالة دراسيّة لكونه يمثل نموذجًا واضحًا لنظام إعلامي ارتبط تاريخيًّا بمشروع بناء الدولة الحديثة وترسيخ السّردية الوطنيّة الجامعة، قبل أن يدخل تدريجيًّا في تفاعل مباشر مع بيئة رقمية أكثر تعدّدًا وتفاعليّة.ويؤكد المقيمي على أن الدراسة كُتبت في الأصل ضمن إطار أكاديمي ومنهجية بحثية تفصيلية، لكنها لم تكن بعيدة عن أسئلة الواقع وتحدياته، إذ تناولت قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل الإعلامي وصناعة السياسات والهُويّة الوطنيّة وتحولات الجمهور، وبعد مناقشة الأطروحة، ومع تحقق عدد من التحولات التي كانت الدراسة قد أشارت إليها واستشرفتها في وقت مبكر، برزت الحاجة إلى إخراج هذا النقاش من الإطار الجامعي إلى فضاء أوسع يتيح وصوله إلى الممارسين وصناع القرار والمهتمين بالشأن الإعلامي والثقافي، لذلك يعد إصدار الكتاب محاولة لنقل النقاش إلى دوائر أرحب، مع المحافظة على بنيته العلمية وعمقه النظري. وينطلق الكتاب من سؤال محوري يتمثل في مدى قدرة النظام الإعلامي المركزي على مواصلة أداء دوره في بناء وتمثيل الهُويّة الوطنيّة في ظل التحولات الرقميّة المُتسارعة التي أعادت تشكيل المشهد الاتصالي وأنماط التفاعل المجتمعي، وتفرعت عن هذا السؤال مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة المجال العام في العصر الرقمي، من بينها تأثير محدوديّة التعدديّة الخطابيّة، ودور منصات التواصل الاجتماعي في إعادة توزيع السلطة الرمزية بين المؤسسة الإعلامية والجمهور، ومدى قدرة الإعلام الرسمي على الحفاظ على شرعيته الرمزية، وإمكانية توظيف الإعلام الرقمي بوصفه رافدًا لتعزيز الهُويّة الوطنيّة. ويؤكد المقيمي على أن الدراسة لم تنطلق من موقف نقدي تجاه الإعلام المركزي، كما لم تتعامل مع الإعلام الجديد بوصفه بديلاً كاملًا أو حلًّا نهائيًّا، ولكنها سعت إلى تقديم قراءة تشخيصيّة لفهم التحدّيات التي تواجه نموذجًا إعلاميًّا تشكل في مرحلة البث الأحادي، وأصبح اليوم يتفاعل مع واقع اتصالي جديد يقوم على التعدّدية والتّفاعل وسرعة تداول المعنى. ويتعامل الكتاب مع مفهوم الأمة بوصفه بناءً رمزيًّا واجتماعيًّا يتشكل من الإحساس المشترك بالانتماء إلى جماعة وطنيّة تتقاسم الذاكرة والرّموز والقيم والتاريخ والتطلعات المستقبلية، وفي هذا السياق، تتجاوز قراءة الأمة باعتبارها مفهومًا سياسيًّا مجردًا لتصبح فكرة حاضرة ومتجدّدة داخل المجال العام عبر السرديات المشتركة والرموز الوطنية والتمثلات الثقافيّة التي يتداولها المجتمع ويعيد إنتاجها بصورة مستمرة. ويرى المقيمي أن مؤسسات التعليم والثقافة والخطاب السياسي إلى جانب اللغة والفنون والاحتفالات الوطنية تسهم في بناء هذا المعنى الجمعي، فيما يظل الإعلام أحد أبرز الحقول التي يُمارس من خلالها الانتماء الوطني ويُعاد تمثيله وتداوله. ويشير الكتاب إلى أن النظم الإعلامية المركزية ارتبطت تاريخيًّا بمراحل بناء الدولة الحديثة، لا سيما في المجتمعات التي كانت بحاجة إلى ترسيخ الوحدة الوطنية وإدارة التنوع وتقديم سردية جامعة تعزز التماسك بين الدولة والمجتمع، وفي تلك المرحلة البكر أدى الإعلام دورًا توحيديًّا مهمًّا من خلال إبراز الرموز المشتركة وإعادة إنتاج الذاكرة الوطنية وتوفير لغة عامة يتداول عبرها المجتمع معاني الانتماء والهُويّة الوطنيّة. كما أسهمت وسائل الإعلام التقليدية بدرجة كبيرة في تشكيل السردية الوطنية الجامعة، لكونها مثلت على مدى عقود المنصة الرئيسة التي تعرّف من خلالها المواطن على الدولة ومنجزاتها ورموزها وقضاياها الكبرى، وفي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء العمانية
