تعود الاختلالات في ميزان الحسابات الجارية العالمية إلى صدارة النقاش الاقتصادي الدولي، مع استعداد قادة مجموعة السبع للاجتماع الأسبوع المقبل في فرنسا، وسط تحذيرات متزايدة من أن استمرار اتساع الفجوات بين الاقتصادات الكبرى قد يهدد الاستقرار المالي العالمي على المدى المتوسط.
وأوضحت صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير، أن ملف الاختلالات العالمية سيكون من أبرز محاور النقاش خلال القمة المرتقبة، في ظل مساعٍ فرنسية لدفع القوى الاقتصادية الكبرى نحو معالجة التباين المتزايد بين العجز الضخم في الحساب الجاري الأميركي والفوائض المتراكمة لدى الصين، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي واليابان.
من جانبها، قالت المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» كريستالينا غورغييفا إن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود فوائض أو عجز بحد ذاته، بل في ما وصفته بـ«الاختلالات المفرطة» التي تعكس اتساع الفجوات الهيكلية بين الاقتصادات الكبرى.
كندا والمكسيك تدعوان لتمديد اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا
اختلالات مقلقة
تشير تقديرات «صندوق النقد الدولي» إلى أن إجمالي الفوائض وحالات العجز في الحسابات الجارية العالمية بلغ نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العام الماضي، وهو مستوى أعلى من النطاق الذي ساد خلال العقدين الماضيين، حين تراوحت النسبة بين 1% و3% فقط.
بدورهم، يرى اقتصاديون أن هذه الاختلالات أدت دوراً محورياً في أزمات مالية سابقة، من أزمة ديون أميركا اللاتينية في الثمانينيات، إلى الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، وأزمة ديون منطقة اليورو لاحقاً.
ويحذر خبراء من أن تمويل العجز الخارجي يعتمد بطبيعته على تدفقات رأسمالية مستمرة من الخارج، ما قد يخلق نقاط ضعف مالية في حال انعكاس اتجاه هذه التدفقات أو اضطرابها، كما حدث في أزمات سابقة ارتبطت بفقاعات ائتمانية ممولة خارجياً.
بعد اتفاق سقف الديون.. العجز الأميركي يقفز 245% في شهر واحد
العجز الأميركي تحت المجهر
يُعد العجز الأميركي في الحساب الجاري، البالغ نحو 1.1 تريليون دولار، أكبر اختلال منفرد في الاقتصاد العالمي حالياً، حيث يحمّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشركاء التجاريين مسؤولية هذا العجز، مشيراً إلى أن الممارسات التجارية غير العادلة أسهمت في تضخمه، ما دفع واشنطن إلى تبني سياسات جمركية أكثر صرامة.
لكن تحليل «صندوق النقد الدولي» يشير إلى أن تأثير الرسوم الجمركية على ميزان الحساب الجاري يبقى محدوداً، إذ غالباً ما تُقابل بتعديلات في أسعار الصرف أو مستويات الادخار والاستثمار داخل الاقتصاد.
الرسوم الجمركية تقلص عجز الميزان التجاري بين الولايات المتحدة العالم
ورغم أن الرسوم ساهمت في تقليص بعض الواردات، فإن الطلب القوي المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي أدى إلى زيادة استيراد المعدات التكنولوجية، ما حدّ من أي أثر جوهري على تقليص العجز الخارجي.
وبحسب الصندوق، فإن العامل الأكثر تأثيراً يتمثل في العجز المالي الأميركي، إذ يؤدي ارتفاع الإنفاق الحكومي إلى زيادة الاستهلاك المحلي وتقليص المدخرات الوطنية، وكذلك تشير تقديرات المؤسسة إلى أن اتساع العجز المالي بمقدار نقطتين مئويتين من الناتج المحلي قد يرفع عجز الحساب الجاري بنحو 0.5 نقطة مئوية.
تجارة الصين الدولية للسلع والخدمات تنمو 13% خلال أبريل
الصين والفوائض الهيكلية
في المقابل، تواصل الصين تسجيل أكبر فائض خارجي في العالم، مدعوماً بمزيج من السياسات الصناعية والمالية التي تستهدف تعزيز القدرة التصديرية والحفاظ على تنافسية القطاع الصناعي.
ويرى «صندوق النقد الدولي» أن النموذج الصيني يعتمد على أدوات تتجاوز الدعم الصناعي التقليدي، بما في ذلك إدارة سعر الصرف والضوابط على حركة رؤوس الأموال، إضافة إلى سياسات تشجع الادخار المحلي عبر شبكات حماية اجتماعية محدودة نسبياً، ما يحد من الاستهلاك الداخلي ويعزز الفوائض التجارية.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن اليوان الصيني لا يزال مقوماً بأقل من قيمته العادلة بنحو 15% على الأقل، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للصادرات الصينية في الأسواق العالمية.
من «هرمز» إلى «ملقا».. اختناقات تعيد تشكيل كلفة التجارة العالمية
دعوات لاستعادة التوازن
ومع هذه الأوضاع، يتزايد الحديث بين الاقتصاديين عن ضرورة تحرك دولي منسق لإعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي، عبر مزيج من خفض العجز المالي في الولايات المتحدة وإصلاحات هيكلية في الصين تدعم الطلب المحلي.
كما طُرحت فكرة استلهام تجربة «اتفاق بلازا» عام 1985، حين اتفقت الاقتصادات الكبرى على خفض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية، ما ساهم في تقليص الاختلالات التجارية خلال تلك الفترة.
لكن فرص التوصل إلى اتفاق مماثل تبدو محدودة في المرحلة الحالية، في ظل تباين الأولويات بين واشنطن وبكين، وغياب أدوات إلزامية فعالة لدى المؤسسات الدولية.
وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن استمرار هذه الاختلالات دون تنسيق دولي قد يؤدي إلى «تصحيح غير منظم» في الأسواق العالمية، داعياً إلى مقاربة جماعية خلال اجتماعات مجموعة السبع.
«غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» يحذّران من تصحيح عميق بالأسواق المالية
مخاطر الأسواق المالية
إلى ذلك، يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن جزءاً كبيراً من تمويل العجز الأميركي في السنوات الأخيرة جاء عبر تدفقات استثمارية في أسواق الأسهم، إذ اشترى المستثمرون الأجانب أسهماً أميركية بقيمة بلغت نحو 736 مليار دولار العام الماضي، وهو مستوى قياسي.
ويحذر خبراء من أن أي تصحيح حاد في أسواق الأصول، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا المرتبط بالذكاء الاصطناعي، قد ينعكس سريعاً على ميزان المدفوعات العالمي عبر تراجع قيمة الأصول الأميركية والدولار.
وأكد تقرير «وول ستريت جورنال» أنه مع غياب توافق دولي واضح، تبقى الأسواق المالية العامل الأكثر حسماً في إعادة تشكيل هذه الاختلالات، سواء عبر تصحيح تدريجي أو عبر اضطرابات مفاجئة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

