منذ اللحظات الأولى لانطلاق كأس العالم 2026 بالمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بدا واضحا أن النسخة الحالية من المونديال تسير في اتجاه مختلف عن الصورة التاريخية التي ارتبطت دائما بأكبر تظاهرة كروية في العالم.
فبعيدا عن الزخم البصري والإبهار الثقافي الذي اعتادت الجماهير متابعته في حفلات الافتتاح، جاء الحفل هذه المرة باهتا في نظر كثيرين، معتمدا بشكل شبه كلي على فقرات موسيقية راقصة وبعض المظاهر الفولكلورية المحلية، إضافة إلى الرهان على اسم النجمة العالمية شاكيرا لمنح الحدث صدى إعلاميا أوسع.
ورغم القيمة الفنية والشعبية التي تمثلها شاكيرا عالميا، إلا أن الحفل بدا محدود الرسائل، خاليا من العمق الثقافي والرمزية الحضارية التي تنتظرها الجماهير من مناسبة بحجم كأس العالم.
إذ غابت الهوية الجامعة، وغابت القصة التي تلامس وجدان الشعوب، ليظهر الافتتاح أقرب إلى عرض ترفيهي سريع منه إلى حدث تاريخي يفتتح بطولة عالمية استثنائية.
في المقابل، ما زال افتتاح كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 حاضرا بقوة في ذاكرة المتابعين، بعدما نجحت المملكة المغربية في تقديم حفل اعتبره كثيرون الأفضل قاريا وربما من بين الأبرز عالميا في السنوات الأخيرة.
لم يكن الأمر مجرد لوحات موسيقية أو استعراضات تقنية، بل كان سردا بصريا وثقافيا يحكي قصة إفريقيا، ويعيد تقديم القارة للعالم بصورة حديثة ومشرقة.
المغرب لم يعتمد فقط على الأسماء الفنية أو المؤثرات البصرية، بل راهن على العمق الحضاري للقارة السمراء، وعلى رسائل إنسانية وثقافية وصلت إلى الجمهور العالمي بسلاسة وقوة.
فكل فقرة كانت تحمل دلالة، وكل مشهد كان يختزل جزءا من التاريخ الإفريقي، من الموروث الثقافي إلى روح الوحدة والانتماء، وهو ما منح الحفل بعدا يتجاوز الرياضة نحو صناعة صورة حضارية متكاملة.
وإذا كانت المقارنة بين البطولتين قد بدأت من حفلي الافتتاح، فإن الفوارق تبدو مرشحة للاتساع مع انطلاق المباريات.
فالمؤشرات الأولى القادمة من أمريكا الشمالية توحي بأن النسخة الحالية من كأس العالم قد تواجه صعوبات كبيرة على المستوى الفني، في ظل الظروف المناخية القاسية، وارتفاع درجات الحرارة، والرطوبة المرتفعة، إضافة إلى ضغط التنقلات الطويلة بين المدن والدول المستضيفة.
هذه العوامل قد تؤثر بشكل مباشر على مردودية اللاعبين وجودة المباريات، وهو ما يطرح تساؤلات مبكرة حول قدرة النسخة الحالية على الحفاظ على النسق الفني الذي ميز النسخ السابقة.
فالتنظيم الضخم وحده لا يكفي دائما لصناعة بطولة استثنائية، بل إن نجاح أي حدث رياضي عالمي يرتبط أيضا بالروح التي يقدم بها، وبقدرته على خلق تجربة إنسانية وثقافية متكاملة.
وفي وقت اختارت فيه أمريكا الشمالية تقديم مونديال قائم على الفرجة السريعة والإنتاج الضخم، بدا المغرب في كأس إفريقيا وكأنه يقدم درسا مختلفا في كيفية تحويل الرياضة إلى رسالة حضارية وهوية ثقافية متكاملة، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون أن افتتاح كان المغرب 2025 تفوق من حيث التأثير والرسائل والرمزية على افتتاح كأس العالم 2026، رغم الفارق الكبير في حجم البطولتين.
هذا المحتوى مقدم من أشطاري 24
