رواية العَربانة 9

تمسّك سعيد بالهدوء ونفسه تبحث عن حجة تُخالف منطق أحمد على أرض الواقع، فلم يجد؛ فسعى إلى احتواء الموقف وتخفيف توتره بأسلوب هادئ ومحفز، وقال بنبرة لطيفة:

ـ لقد اختار أهل القرية وما جاورها طريق الثقة دائماً، فكان خيارهم مبعثَ سلام ومحل تقدير من المسؤولين، وإن اختلفوا في بعض الأمور بينهم؛ فالاختلاف طبيعة بشرية تعتمد على زاوية النظر إلى المشكلة نفسها. وأما نزع الملكية.. فهو إجراء طبيعي في كل مشروع حيوي يخدم الوطن، لا غرابة فيه، ولا ينطوي على نقل المواطنين إلى موطن آخر غير موطنهم الأصلي، إنما هو نزع للملكية من أجل إعلاء المصلحة العامة وإعادة تنظيم الممتلكات.

قال منصور بثقة يشوبها لوم للساكنين:

ـ كل أمر جديد يُثير حفيظة الساكنين، ويبدو أن هذا طبيعي في واقعنا الشرقي؛ فتقبّل الناس للتغيير لا يكون سريعاً. هذه القضية أثيرت بالأساس لأجل التعويضات المالية، وعبّرت عن حالة غضبهم إذ تركزت المطالب على التعويض المادي لا غير.

وفي النهاية، تحمّلت الحكومة كلفة التعويضات المالية والبديلة، وقدّمت حلولاً إيجابية عبر بدائل أخرى؛ كالأحقية في أرض تجارية أو بديلة للذين وقعت أملاكهم ضمن مشروع السوق الكبير، أو ما يعرف بالخط الأول... هذا إذا تحدثنا عن مشروع السوق المركزي الذي توقف للأسباب التي تعلمونها، أسباب ناشئة من الناس أنفسهم، وأما مشاريع المدينة الكبرى، فهي لا تختلف في رأيي وفي رأيك وفي رأي أغلب الناس؛ فالأفكار متقاربة، والمطالب تُثار بدوافع من مطامع البعض منا، وهي في أكثرها مصالح خاصة. وفي ظني أن ما قدمته الحكومة هو عطاء باذخ غير مجذوذ.. أليس في ذلك عدل وحكمة؟ أليس في ذلك تعزيز للروابط الاجتماعية؟

كان وجه منصور مصوباً تجاه أحمد؛ فمنصور ـ الشخصية البارزة المُدافعة بصلابة عن المنظومة الحكومية ـ يتبنى نظرة بيروقراطية تلوم وعي المجتمع، وترى في مطالب الساكنين مجرد مطامع مادية وخاصة، تفتقر إلى تقدير كرم الحكومة وعطائها الباذخ.

لم يقل أحمد نعم، ولم يكن متفقاً مع أطروحاتهما، بل حوّر الحديث في ذهنه إلى مسار مختلف؛ إذ كان يردد في داخله: عن أي شيء أحدثه؟ أعن حكم وعدل، أم أناقشه في جدليتهما؟ يُحدثني منصور عن جدل سياسي وقواعد مرتبطة بالمسؤولية! رغم أن المسؤولية الملزمة لا تخضع للنقاش، فهي من المُسَلّمات ومن ثوابت العطاء.. والتزامنا بالمواطن يعني السعي في حمايته ليكون بعيداً عن كل تهديد، سواء أكان متمثلاً في غمط الحقوق الوطنية، أو في نزع الممتلكات الخاصة به، أو في التعويض غير العادل.

زم أحمد شفتيه متأملاً، ثم تمتم بصوت مسموع:

ـ هذا هو الأمر الذي يجب التحدث فيه، ومناقشته، والوقوف أمامه بصلابة؛ إنه من أجل الناس وحقوقهم، لا من أجل إثارة القلاقل في الوطن!

صمت أحمد برهة، ثم رمق منصور بنظرة ثاقبة وواجه طرحه بالقول: ما تحدثتم عنه كان مجرد قناعات آمن بها البعض ولم يُؤمن بها الآخرون؛ آمن بها المسؤولون ولم يُؤمن بها المجتمع. فالمسؤول الذي صاغ تلك الحلول على أرض الواقع لم يكن يوماً قريباً من نبض المجتمع! وأما ما يتعلق بمشروع الغرب في شرقنا الأوسط، وسخاء التكنولوجيا التي نتلقاها منهم.. فهي ليست منّة منهم علينا أبداً؛ فهم يأخذون في مُقابلها أضعافاً مضاعفة، إلى جانب ما ينهبونه من مقدراتنا وثرواتنا الإقليمية بطرق مختلفة. وإن كانوا يستكثرون عطاءهم التكنولوجي على مجتمعنا الشرقي، فنحن نرفض هذا التفل القبيح، ونستكثر عليهم ما يسلبونه من أرضنا، وما يسرقونه بوسائلهم الممنهجة.

كان منصور يظن أنه يمثل ذروة اليقظة الوطنية في مواجهته لأحمد، لكن الأخير نجح في تفكيك حيلته البيروقراطية القائمة على تشتيت قضية المطالبة، ونقل النقاش من مشروع إلى آخر للتهرب من مواجهة الفساد المعيشي الحالي في السوق الكبير وفي مشاريع المدينة الكبرى، متمسكاً بإعادة تأصيل الحلول بالعودة إلى المرجعية الحضارية للأمة. نظر أحمد في وجه منصور وجوانحه تستعر بغضب وعتب شديد، وقال:

ـ أنا بينت رأيي ولست بعيداً عن التكنولوجيا والطفرة الهائلة التي توشك أن تجعل العاقل مهووساً في كل شيء! ولا أعلم إن كنت تؤنبني على غضب آبائي من قبل، أم أن في إشارتك تأنيباً لي على غضبي من حالة السوق الكبير، أو من مشروع المدينة الكبرى، أو من مشروع النجوم؟! إنك في كل مرة تنقلني من شيء إلى آخر، وإلى مشروع يختلف عن الآخر، رغم أن مشروع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 18 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 17 ساعة
إذاعة الوصال منذ 15 ساعة
هلا أف أم منذ 3 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 19 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 19 ساعة
إذاعة الوصال منذ 14 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 16 ساعة