خالد بن سالم الغساني
الحديث عن الولايات المتحدة في وسائل الإعلام الأمريكية والغربية الرسمية، كثيرًا ما يُقدَّمها باعتبارها المدافع الأول عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم. وتُصوَّر سياساتها الخارجية على أنها امتداد لهذه المبادئ، وأن تدخلاتها وصراعاتها وتحالفاتها تنطلق من رغبة في حماية الاستقرار الدولي ونشر القيم الديمقراطية. لكن مراجعة متأنية، ليست في حاجة لأكثر من الذاكرة، لكثير من أحداث العقود الماضية تكشف صورة أكثر وضوحًا وتعقيدًا، وتُظهر أن الفجوة بين الخطاب والممارسة كانت في كل الأحيان واسعة إلى حد يصعب معه تصديق ما يُقال.
فقد دعمت الولايات المتحدة عبر تاريخها القديم والحديث حكومات وأنظمة لا تمت بصلة إلى الديمقراطية التي تتحدث عنها، وتغاضت عن انتهاكات وممارسات جسيمة ضد الإنسانية عندما صدرت عن حلفائها، في حين اتخذت مواقف صارمة ومتشددة رافقتها القوة في كثير من الأحيان عندما تعلق الأمر بخصومها. ولم يكن معيارها أبدًا هو المبادئ المعلنة، وإنما كانت المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية هي العامل الأكثر حضورًا في كثير من القرارات، إن لم تكن في جميعها.
وبالعودة إلى عدد من الحروب والأزمات الدولية الكبرى نجد أن الكذب دائمًا ما يكون حاضرًا وبقوة، ويتحول إلى عملية كبيرة ومنظمة لتهيئة الرأي العام وتمرير القرارات السياسية. ويكفي التذكير بما حدث قبل غزو العراق عام 2003، حين جرى تسويق رواية امتلاك أسلحة دمار شامل باعتبارها حقيقة مؤكدة تبرر الحرب. وبعد سنوات من الغزو اتضح أن تلك الأسلحة لم تكن موجودة، لكن الحقيقة جاءت متأخرة بعد أن كانت الحرب قد وقعت، وسقط مئات الآلاف من الضحايا، وتغيرت موازين المنطقة بأسرها.
ولا تقتصر المسألة على الحروب العسكرية المباشرة. فالولايات المتحدة تمتلك منظومة واسعة من أدوات التأثير والضغط، تشمل العقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، والحملات الإعلامية، والضغوط الدبلوماسية، ودعم أطراف معينة في النزاعات الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. وغالبًا ما تُقدَّم هذه السياسات في إطار أخلاقي وإنساني، بينما تشير الوقائع إلى أن الاعتبارات المرتبطة بالنفوذ والمصالح تبقى هي العامل الأول في توجيهها.
ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في تصريحات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. فالرجل يتحدث أحيانًا بلغة مباشرة تكشف منطق القوة والمصلحة بصورة أوضح من اللغة الدبلوماسية التقليدية التي اعتادتها الإدارات الأمريكية السابقة. وقد لوّح مرارًا باستخدام الضغوط الاقتصادية والعقوبات والرسوم الجمركية لتحقيق أهداف سياسية، كما أثارت تصريحاته المتعلقة بغرينلاند وقناة بنما ثم فنزويلا وغيرها من الملفات المرتبطة بسيادة الدول نقاشًا واسعًا حول حدود النفوذ الأمريكي وطبيعة النظرة التي تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وكشفت المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران عن جانب آخر من هذا النهج، حيث رافقت العمليات العسكرية والإجراءات المتبادلة حملة واسعة من التصريحات السياسية والإعلامية المتناقضة. فقد امتلأت المنابر المختلفة بسيل من الادعاءات حول حجم الخسائر ونتائج الضربات العسكرية ومدى تحقيق الأهداف المعلنة، حتى بدا في كثير من الأحيان أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية نفسها.
وما يلفت الانتباه في هذه التصريحات أنها لا تقدم الهيمنة في ثوب أخلاقي مزين بالشعارات المعتادة، بل تعرضها أحيانًا باعتبارها حقًا طبيعيًا تفرضه القوة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
