يستقبل المسلمون عامًا هجريًا جديدًا، فتتجدد في النفوس معاني الإيمان، وتشرق في القلوب ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، واحدة من أعظم المحطات في تاريخ الإسلام، والتي شكلت تحولًا حضاريًا عظيمًا غيّر مجرى التاريخ، وأرسى حضارة إنسانية وأمة حملت رسالة الخير والعدل والرحمة إلى العالمين.
إن الهجرة النبوية تمثل بداية مرحلة جديدة من بناء المجتمع والدولة، وتجسد معاني التضحية والصبر والثبات والتوكل على الله سبحانه وتعالى؛ فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من أحب البلاد إلى قلبه امتثالًا لأمر الله تعالى، مؤمنًا بوعده، آخذًا بالأسباب، وموقنًا بأن العاقبة للمتقين، وقد خلّد القرآن الكريم هذا المشهد العظيم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة ٤٠].
وتعلمنا الهجرة أن الإيمان ليس كلمات تقال، وإنما عمل وصبر وتضحية، وأن النجاح لا يتحقق بالأماني، بل ببذل الجهد وحسن التخطيط مع صدق التوكل على الله عز وجل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، أعدّ للهجرة إعدادًا دقيقًا، واختار الرفيق والدليل والطريق، وقدم درسًا خالدًا للأمة في الجمع بين الأخذ بالأسباب والثقة بالله تعالى. وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الثقة المطلقة بربه حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
ولعل من أعظم العبر التي تجسدها الهجرة النبوية أن التغيير الذي يريده الله للإنسان يبدأ من أعماق النفس قبل أن يظهر في واقع الحياة؛ فالهجرة كانت انتقالًا من مرحلة التلقي إلى مرحلة المسؤولية، ومن الإيمان الفردي إلى بناء المجتمع، ومن الصبر على الأذى إلى العمل لإقامة قيم العدل والرحمة والخير. ومن هنا نجد أن الهجرة فلسفة حياة، ومنهج متجدد يهدي العالم إلى أن الإصلاح يبدأ من النفس، وأن الطريق إلى النهضة يمر أولًا عبر بناء النفس وتقويم سلوكها وارتباطها بخالقها سبحانه وتعالى. ولهذا وسّع النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الهجرة لتبقى حية في ضمير الأمة إلى قيام الساعة، فقال: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
لقد جسدت الهجرة النبوية الشريفة أن سنن الله في الكون لا تتبدل، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن المنحة تخرج من قلب المحنة؛ فعندما اشتد أذى المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كان الله سبحانه وتعالى يعد لهم مرحلة جديدة من العزة والتمكين. وهكذا يعلمنا القرآن الكريم أن المؤمن لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا، وأن ثقته بالله لا تهتز أمام الابتلاءات مهما عظمت، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا، إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح 5-6].
وإذا كانت الهجرة النبوية قد علمت العالم كيف يبنى الإنسان، فإنها علمته أيضًا كيف تبنى المجتمعات وتنهض الأمم؛ فقد قامت الدولة في المدينة على أسس العدل والتكافل والاحترام المتبادل وصون الحقوق وتحمل المسؤولية، وتجسدت هذه القيم في وثيقة المدينة المنورة التي تعد من أقدم الوثائق الدستورية في تاريخ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
