لا تتعثر المؤسسات والشركات الكبرى دائماً بسبب نقص الموارد أو ضعف الخطط أو اشتداد المنافسة في الأسواق، بل إن كثيراً من حالات التراجع تبدأ من الداخل، حين يختل ميزان العدالة وتفقد المنظومة الإدارية قدرتها على التمييز بين من يضيف قيمة حقيقية للمؤسسة ومن يستنزف مواردها ويعطل نموها. ففي تلك اللحظة لا يصبح الفساد مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز مالي، بل يتحول إلى قوة هدم صامتة تقوض أسس العمل المؤسسي وتضرب أهم أصوله على الإطلاق: رأس المال البشري.
وتكمن خطورة الفساد المؤسسي في أنه لا يقتصر على تحقيق مكاسب غير مشروعة لفرد أو مجموعة، بل يمتد أثره إلى إعادة تشكيل بيئة العمل بأكملها. فعندما يلاحظ العاملون أن معايير الترقية لا ترتبط بالكفاءة، وأن الإنجاز لا يقود بالضرورة إلى التقدير، وأن النفوذ الشخصي أصبح أكثر تأثيراً من الأداء المهني، تبدأ الثقة بالمؤسسة بالتراجع تدريجياً. وعندما تهتز الثقة تتراجع الدافعية، ويتحول الإبداع إلى مخاطرة، وتصبح المبادرة عبئاً بدلاً من أن تكون فرصة للتميز.
إن الموظف الكفء لا يبحث فقط عن راتب أو مسمى وظيفي أعلى، بل يبحث عن بيئة عمل تمنحه الشعور بالإنصاف وتحترم جهده وتتيح له فرص النمو والتطور وفق معايير واضحة. وحين يكتشف أن الجهد المبذول لا ينعكس على التقدير أو الترقية، وأن أصحاب العلاقات الشخصية يحصدون ما لم يحققوه بالعمل، يبدأ شعوره بالانتماء بالتآكل. ومع مرور الوقت يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يتخلى عن قيمه المهنية ويندمج في منظومة لا يؤمن بها، أو أن يغادر بحثاً عن بيئة أكثر عدالة واحتراماً لكفاءته.
وفي المقابل، غالباً ما يتمتع الفاسد بقدرة استثنائية على البقاء داخل المؤسسات المتعثرة. فهو لا يعتمد على الإنجاز الحقيقي بقدر اعتماده على إدارة المصالح وبناء شبكات النفوذ. ويجيد تقديم الصورة التي يرغب الآخرون في رؤيتها، ويبرع في تجميل التقارير وإخفاء مواطن الخلل، ويعرف كيف يتجنب المساءلة من خلال توزيع المسؤوليات أو نقل اللوم إلى الآخرين. لذلك لا يشكل خطراً بسبب أخطائه المباشرة فقط، بل بسبب قدرته على إضعاف أنظمة الرقابة وإرباك معايير التقييم وتشويه مفهوم النجاح داخل المؤسسة.
ومع استمرار هذا الواقع تتشكل ثقافة تنظيمية جديدة تقوم على رسائل غير معلنة لكنها شديدة التأثير. فحين يبقى الفاسد في موقعه رغم التجاوزات، بينما يغادر أو يصمت أصحاب الكفاءة والإخلاص، تتولد قناعة عامة بأن النزاهة ليست طريقاً للتقدم، وأن الأداء المتميز ليس شرطاً للنجاح الوظيفي. وعند هذه المرحلة تصبح المؤسسة طاردة للكفاءات بصورة تلقائية، حتى وإن لم تصدر أي قرارات مباشرة بحقهم. فالمتميزون لا يغادرون أو يصمتون لأنهم عاجزون عن النجاح، بل لأنهم يدركون أن البيئة التي لا تكافئ الاستحقاق لا تملك مستقبلاً حقيقياً لهم.
ولذلك فإن خسارة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
