لا شك أن من أهم عناصر تطور الدولة ومؤسساتها وجود مجتمع مدني فاعل ومشارك في مشروع بناء الإنسان إلى جانب بناء العمران.
كما أن مجالات العمل المدني تتطور تبعًا لتطور الحاجات والضرورات المجتمعية، فقد يصبح مجال معين في مرحلة تاريخية محددة من أولويات الفعل المدني والمشاركة المواطنة.
من هذا المنطلق جاءت فكرة تأسيس جمعية تحمل عنوانًا ذا دلالة عميقة، يجمع بين ثلاثة مفاهيم أساسية: المغرب، والمواطنة، والرقمنة. فكان الاسم معبرًا وبسيطًا في آن واحد: مغرب المواطنة الرقمية .
انطلقت عملية التأسيس بكل شفافية وموضوعية، بعيدًا عن أي انتماء ضيق أو تحيز إيديولوجي أو لون سياسي. ولا يعني ذلك أن الأعضاء المؤسسين أو الداعمين لا يمتلكون قناعات أو انتماءات سياسية، بل إن الأمر يعكس درجة من النضج تسمح بالتمييز بين المشترك الوطني الجامع وبين الاختيارات السياسية المشروعة، بل وحتى الاختلافات والصراعات السياسية الضرورية أحيانًا في الحياة الديمقراطية.
هذا النضج هو الذي يتيح البحث عن المجالات المشتركة والتقاطعات الأساسية التي تحتاج إلى مساهمة الجميع، مع الإيمان بطبيعة المؤسسات وأدوارها، وبأن نداء الوطن يظل فوق كل اعتبار.
وككل الجمعيات المنظمة بمقتضى القانون، تتوفر الجمعية على الثوابت التنظيمية المعروفة من أهداف وآليات اشتغال وتمويل وتدبير ديمقراطي، إضافة إلى هياكل تنظيمية واضحة وآليات انتخاب وتداول للمسؤوليات. غير أن عنصر التميز الحقيقي يكمن في الرؤية والرسالة والأهداف النوعية التي تسعى الجمعية إلى تحقيقها.
لقد انطلق ورش التأسيس من قناعة راسخة تتمثل في خدمة المصلحة العليا للوطن في المجال الرقمي، بما يعود بالنفع على المواطنات والمواطنين. ولهذا تم التنصيص بوضوح على الاستقلالية التامة للجمعية عن أي توجه سياسي أو نقابي، باعتبار أن هذه المجالات مؤطرة قانونيًا ولها مؤسساتها وأدوارها المحددة.
وينطلق العمل الجمعوي داخل مغرب المواطنة الرقمية من إدراك عميق للتحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرزه يوميًا من تغيرات في البنيات والخدمات والمفاهيم والثقافات. وهو ما يجعل الرقمنة عنصرًا أساسيًا في تطور المجتمعات، ويجعل من الصعب تصور أي قطاع أو مجال خارج دائرة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، حددت الجمعية أهدافها الاستراتيجية ضمن رؤية شاملة تتفرع عنها أهداف إجرائية متعددة، من أبرزها الإسهام في بناء ثقافة رقمية مواطنة قائمة على السلوك الحضاري والمسؤول في الفضاء الرقمي. ويشكل هذا الورش جسرًا بين قيم المواطنة التقليدية ومتطلبات المواطنة الرقمية، من خلال تعزيز الوعي بالفرص التنموية التي تتيحها التكنولوجيا، إلى جانب التحسيس بالمخاطر والتحديات المصاحبة لها.
ولا شك أن عملية التأهيل الرقمي والإدماج التكنولوجي تظل مسؤولية وطنية ومؤسساتية مشتركة، غير أن الجمعية تعتزم الإسهام بما يتوفر لديها من كفاءات وخبرات وموارد بشرية، عبر أدوار داعمة ومساندة ومبتكرة، تستهدف تقليص الفجوة الرقمية ونشر الوعي الرقمي بين مختلف الفئات العمرية، مع دعم التحول الرقمي للمؤسسات والمجتمع.
وقد شكل اختيار اسم الجمعية محطة توافقية مهمة، باعتباره قيمة مضافة داخل المشهد الجمعوي الوطني، وهو ما تجسد في ميثاقها وقانونها الأساسي. كما تم اعتماد مبادئ الشفافية في التمويل وتدبير الموارد، واستكمال جميع الإجراءات القانونية اللازمة، قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس الجمعية والحصول على الوصل القانوني.
ومن باب الاعتراف بالفضل لأهله، يجدر التنويه بالدور المحوري الذي اضطلع به السيد سليمان العمراني، الذي واكب بمعية مجموعة من المواطنات والمواطنين مختلف مراحل التأسيس، مستثمرًا ما راكمه من تجربة وخبرة ونزاهة، حيث كان أحد أبرز الفاعلين في إخراج الجمعية إلى الوجود القانوني، وفق مقاربة قائمة على الديمقراطية التشاركية وروح العمل المدني المسؤول.
وبعد الإعلان الرسمي عن التأسيس، انطلقت أوراش العمل والتكوين، وكانت أولى محطاتها تنظيم محاضرة علمية وفكرية بعنوان R silience T l com ، ألقاها أحد أبرز الخبراء في قطاع الاتصالات بالمغرب، السيد أحمد خوجة.
إن جمعية مغرب المواطنة الرقمية مرشحة، بإذن الله، لأن تشكل إضافة نوعية في خدمة الوطن من خلال مجال استراتيجي بالغ الأهمية هو المجال الرقمي.
هذا، وستسعى إلى أن تكون شريكًا موثوقًا وشفافًا ونزيهًا، يعمل من أجل مغرب أكثر تقدمًا وقدرة على مواكبة التحولات الرقمية العالمية، بما ينسجم مع مكانته التاريخية وطموحاته المستقبلية.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
