تاريخياً، تعكس الحداثة الذائقة الثقافية الغربية في ذروة تطورها، حيث نضجت مفاهيمها الأكثر أساسية كالعقلنة والأنسنة والعلمنة، وتشكلت تجاربها داخل التاريخ الأوروبي، الذي منحها الدلالة والمعنى، وأنتج البنى المؤسسية التي جسدتها. تعني العقلنة تلك الصيرورة التاريخية التي أنتجت فهماً للعالم يقوم على منطق العقل، المتجذر في العلم التجريبي الحديث، انفصالاً عن منطق الروح الذي هيمن على الحقبة التقليدية، متخللاً الدين والميتافيزيقا والأسطورة.
إنها الصيرورة التي توجت العقل الإنساني قطباً موجباً للتجربة البشرية، وأحالت الدين إلى موضع السلب من تلك التجربة، بعد أن كان هو مركزها ونقطة انطلاقها. وتعني الأنسنة تلك الصيرورة التي جسدت سعي الإنسان إلى تأكيد فرديته وبلورة شخصيته المستقلة ومواصلة حركته الواثقة نحو التموضع في مركز العالم، باعتباره فاعلاً وجودياً قادراً على التشريع لذاته، متحرراً من كل سطوة خارجية تفرض عليه القهر سواء جاءت من المجتمع أو السلطة، وهي الصيرورة التي شهدت انطلاقتها الكبرى بميلاد عصر النهضة وتبلور المذهب الإنساني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ونضجت بفضل جهود المتنورين، خصوصاً الموسوعيين الفرنسيين، والنقديين الألمان في القرن الثامن عشر. أما العلمنة فهي ثمرة النقد العملي للدين، وهو نوع من النقد لا ينشغل بأصول مفهوم الإله بل يركز على دور الدين في الحياة اليومية، وطبيعة حضور المؤسسات الدينية في المجال العام، رافضاً تغوِّلها على نظيرتها الدنيوية/ الزمنية، على منوال هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا طيلة القرون الوسطى.
أما جوهرياً، فلا تعدو الحداثة أن تكون انعكاساً لمسيرة التقدم البشري، وتجسيداً للخبرة الإنسانية المشتركة، وهو ما يمكن ملاحظته إذا ما حررنا المفاهيم التأسيسية الثلاث من قوالبها النهائية التي التصقت بها، وأمعنا التأمل في تاريخيتها، ذلك أن المفاهيم الكبرى/ التأسيسية لا يمكن أن تظل ساكنة وهي تخوض غمار التاريخ الثقافي، لكنها في المقابل لا تفقد هويتها تماماً أثناء الارتحال الشاق داخل هذا التاريخ، بل تحتفظ بجوهرها الأول ثم تضيف إليه ما أمكن لحامليها الجدد أن يبدعوا فيها، أو ما يتطلبه الزمن الآتي من تعديلات لها.
تلك الإضافات والتعديلات تخضع لمنطق التاريخ نفسه، حيث تتبلور بعض المفاهيم الجديدة تماماً لأجل أن تسمي وقائع وأحوال مستجدة، كما يجري تعديل بعض المفاهيم المألوفة التي طالما عبرت عن أحوال وظواهر قديمة تطورت، على نحو يجعلها أكثر قدرة على وصفها بعد أن تطورت،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
