مع تغير المتطلبات وتطور بيئة البناء ومجالاته، تواجه البيئة المبنية في الكويت تحدياً جوهرياً، يتمثل في كيفية استيعاب التغير لمزاج وذائقة التصميم وحريتها وضمان المحافظة على الهوية المعمارية، ولاشك في أن هذا التحدي ينعكس على تلبية الطموحات الاقتصادية لرؤية «الكويت 2035» والمخطط الهيكلي الرابع لعام 2040، دون التضحية بالبصمة الحضرية والتراثية المعبرة عن روح المجتمع وخصوصيته الثقافية والمناخية.
وبين تاريخ أزقة «المباركية» القديمة بأسقفها الخشبية وممراتها الظليلة، وبين ناطحات السحاب الزجاجية في قلب العاصمة، مروراً بالتنوع والتباين بين المناطق السكنية، يمتد خيط رفيع يروي قصة التطور العمراني، لذا يحتاج واقع المشهد العمراني الحالي إلى تشريح مستمر وتقديم رؤية هندسية وتخطيطية تطبيقية لتحسين الأشكال المعمارية في قطاعات السكن الخاص، والاستثماري، والتجاري، بما يضمن بناء «مدن ذكية مستدامة» تفيض بالهوية الكويتية.
الواقع والتحديات المعمارية
وبشكل عام، انغمست الطفرة العمرانية في العقود الأخيرة بظاهرة «العولمة المعمارية»، حيث غلبت الأنماط الخرسانية والواجهات الزجاجية المصمتة المستوردة من بيئات غربية أو أوروبية لا تتناسب مع الطبيعة المناخية الصحراوية القاسية للكويت بحسب متابعة معماريين ومهندسين، ونتج عن ذلك عدة مظاهر أساسية، أبرزها، أولا: الارتفاع الحاد في استهلاك الطاقة، حيث فرضت الواجهات الزجاجية الشفافة غير المعالجة حملاً هائلاً على شبكات التكييف والتبريد، لتصبح المباني مستهلكاً شرساً للطاقة الكهربائية.
ثانياً: غياب المقياس الإنساني والمساحات الخضراء، فتحولت بعض المناطق الاستثمارية إلى غابات خرسانية تفتقر إلى الفراغات الحضرية، وأماكن المشاة، ومناطق تجمع الجيران بما يسمى «الفريج الحديث»، لتصبح دون متنفس نتيجة محاولة استغلال كل متر للاستفادة منه، وغياب الأدوات المشجعة لبناء المساحات التي ستنعكس على تصميم واجهات مختلطة بطبيعة المنطقة، ثالثاً: التشوه البصري، ويبدو أن ضعف التنسيق بين ألوان الواجهات، واستخدام مواد تكسية غير مستدامة بدت تتأثر سريعاً بالعوامل الجوية والأتربة، مما أثر سلباً على المظهر العام للمدن.
ركائز التطوير العمراني مع الحفاظ على الهوية
التطوير لا يعني العودة إلى بناء البيوت من الطين، بل يعني «العمارة الإقليمية الحديثة»، وهي حسبما ذكر الخبراء في العمارة والهندسة المدنية تتمثل في دمج التقنيات الإنشائية الحديثة مع المبادئ التصميمية التقليدية التي أثبتت كفاءتها عبر الزمن، وتعتمد هذه الرؤية على الركائز التالية، أولاً: استلهام الحلول المناخية التراثية وتحديثها، واستخدام عناصر مثل «المشربيات» أو ما يسمى بالكواسر الشمسية لتوفير الظلال والخصوصية، واعتماد فكرة «الحوش الداخلي» أو الفناء لتوفير تهوية طبيعية وخلق بيئة مصغرة لطيفة الحرارة داخل المباني، مع الاستفادة من التصاميم الهندسية لـ «الباغدير» (ملقف الهواء) بأساليب ميكانيكية حديثة لتوجيه الرياح الباردة.
التطوير يتمثل في دمج التقنيات الإنشائية الحديثة مع المبادئ التصميمية التقليدية التي أثبتت كفاءتها عبر الزمن
ويأتي ثاني الركائز بتكنولوجيا المواد المحلية والمستدامة، إذ إن تشجيع استخدام الحجر الجيري والخرسانة المعالجة حرارياً ذات الألوان الترابية والبيضاء التي تعكس أشعة الشمس وتتحمل العواصف الرملية، فكرة عملية أكثر تطوراً من استخدام الأصباغ سريعة التلف أو الزجاج المكشوف بالكامل.
وثالثاً، إحياء المفهوم الاجتماعي بـ«الفريج»، عبر إعادة تصميم المجاورة السكنية، بحيث تتمحور حول المشاة لا السيارات، من خلال شبكة ممرات آمنة ومظللة تؤدي إلى مركز الحي الذي يحتوي على المسجد، والجمعية، والحديقة.
القطاع السكني
ويرى كثير من المعماريين أنه لتحقيق قفزة نوعية في الهوية البصرية والتنظيمية، يجب تخصيص نمط وشكل مظهر محدد لكل قطاع واستعمال، وأهمها القطاعات الثلاثة الرئيسية، بما يتوافق مع مخرجات البلدية والمخطط الهيكلي للدولة، ففي القطاع السكني يجب أن يظل السكن الخاص واحة للخصوصية والراحة العائلية، بعيداً عن العشوائية البصرية، ويتمثل الشكل العمراني المقترح في الفيلات المستدامة ذات الأفنية والكتل المتضامنة، بينما في التوجيه الهندسي والارتدادات يُفضل تقليل الارتدادات الأمامية الكبيرة المكشوفة غير المستغلة، وتحويل الثقل الفراغي إلى فناء داخلي «حوش» أو حديقة جانبية محاطة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
