لم يعد الجدل متعلقاً فقط بجدوى تسقيف أسعار المحروقات من الناحية الاقتصادية، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية: كيف تطلب أحزاب سياسية أصوات المواطنين في الانتخابات، بينما تصوت داخل البرلمان ضد مقترح يحمل مطلباً اجتماعياً يمس القدرة الشرائية مباشرة؟
هذا السؤال فرض نفسه بقوة عقب إسقاط مجلس المستشارين مقترح قانون يرمي إلى تنظيم أسعار المحروقات، بعدما صوت ضده 29 مستشاراً، مقابل تأييد عشرة مستشارين وامتناع مستشار واحد.
وقعت هذه الواقعة قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، وهو ما منح التصويت معنى سياسياً يتجاوز النقاش التقني حول التسقيف.
بحسب النتائج التي أوردتها مصادر إعلامية متطابقة، صوتت ضد مقترح تسقيف أسعار المحروقات الجهات الآتية:
فريق التجمع الوطني للأحرار.
فريق الأصالة والمعاصرة.
الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية.
ممثلو الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، النقابة المقربة من حزب الاستقلال.
أما الأصوات العشرة المؤيدة، فتوزعت بين الحركة الشعبية بثلاثة أصوات، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل بثلاثة، والاتحاد المغربي للشغل بثلاثة، والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بصوت واحد. واختار ممثل الاتحاد الاشتراكي الامتناع عن التصويت.
ولم أجد، إلى حدود البحث المنجز، لائحة رسمية منشورة تتضمن أسماء المستشارين الـ29 فرداً فرداً؛ لذلك سيكون الأدق صحافياً نسبة الرفض إلى الفرق والهيئات التي أكدت المصادر تصويتها، بدل نشر أسماء شخصية غير موثقة.
خارج البرلمان، لا يكاد يخلو خطاب سياسي من الحديث عن حماية القدرة الشرائية، والوقوف إلى جانب الطبقات المتوسطة والفقيرة، والتصدي لارتفاع الأسعار.
لكن داخل البرلمان، حيث تتحول الشعارات إلى قوانين ويصبح للصوت أثر فعلي، ظهر موقف مختلف تماماً.
وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل عادي يمكن تجاوزه. المحروقات تدخل في كلفة نقل الأشخاص والبضائع والمنتجات الفلاحية والمواد الأولية، ولذلك لا يدفع ثمن ارتفاعها أصحاب السيارات وحدهم، بل يتحمله المواطن في ثمن الخضر والسلع والنقل والخدمات.
فماذا تعني حماية القدرة الشرائية إذا رُفض مقترح يراد منه الحد من ارتفاع أسعار مادة تؤثر في الدورة الاقتصادية بأكملها؟
من الناحية الديمقراطية، يحق لأي فريق برلماني أن يرفض مقترحاً يراه غير مناسب. كما أن التسقيف ليس وصفة اقتصادية خالية من المخاطر.
فمجلس المنافسة سبق أن اعتبر في رأي رسمي صدر سنة 2019 أن فرض سقف موحد على الأسعار وهوامش الربح قد يضر بالفاعلين الصغار والمتوسطين، بسبب اختلاف تكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع. كما رأى أن التسقيف وحده لن يحل مشكلة القدرة الشرائية عند ارتفاع الأسعار الدولية.
لكن رفض التسقيف بناء على هذه المبررات يجب أن يقترن ببديل واضح. فإذا لم يكن التسقيف هو الحل، فما الآلية التي ستمنع تضخم الهوامش؟ وكيف سيضمن الرافضون انتقال انخفاض الأسعار الدولية بسرعة إلى المضخات؟ وما الذي سيحمي المواطن عندما ترتفع كلفة الوقود؟
المشكلة ليست فقط في التصويت بالرفض، بل في أن المواطن لم ير حتى الآن بديلاً ينعكس بوضوح على السعر الذي يؤديه.
يزداد المشهد غرابة بالنظر إلى المسار الذي قطعه المقترح.
فقد تمكنت المعارضة والنقابات من تمريره داخل لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، بحضور ستة أعضاء فقط، بعد غياب ممثلي أحزاب الأغلبية عن الاجتماع، باستثناء رئيس اللجنة المنتمي إلى الأصالة والمعاصرة.
لكن عندما انتقل النص إلى الجلسة العامة، حضرت الأغلبية بقوتها العددية وأسقطته بـ29 صوتاً.
هذا الانتقال من الغياب داخل اللجنة إلى الحضور المكثف لإسقاط المقترح يطرح سؤالاً سياسياً واضحاً: لماذا لم تحضر الأغلبية لمناقشة النص وتعديله، ثم تقديم صيغة أفضل، بدل الاكتفاء بإسقاطه في المرحلة النهائية؟
تفصلنا أشهر قليلة عن الانتخابات التشريعية، ومع ذلك صوتت أحزاب الأغلبية ضد مقترح يحمل عنواناً شديد الجاذبية بالنسبة إلى المواطنين: تسقيف أسعار المحروقات.
فهل تراهن هذه الأحزاب على أن المواطن لن يتذكر ما حدث داخل البرلمان؟ وهل تعتقد أن الخطابات الانتخابية المقبلة ستكفي لمحو أثر التصويت؟ أم أنها تعول على أصوات انتخابية تعتبرها ثابتة مهما كانت حصيلتها؟
لا توجد أدلة تسمح بالقول إن الأحزاب الرافضة ضمنت أصوات المواطنين مسبقاً. لكن تصرفها يبرر طرح السؤال: ما الذي يجعل حزباً يرفض مطلباً يحظى بتعاطف شعبي واسع، ثم يستعد بعد أسابيع لطلب أصوات المتضررين من الأسعار؟
قد يكون الرهان على ضعف الذاكرة الانتخابية، أو على أن التصويت يتأثر بالمرشحين والعلاقات المحلية أكثر من تأثره بالمواقف البرلمانية. وقد يكون الاعتقاد أن المواطن لا يتابع ما يجري داخل اللجان والجلسات التشريعية.
لكن هذه الحسابات قد لا تصمد هذه المرة، لأن المحروقات ليست ملفاً نظرياً. إنها رقم يراه المواطن كلما توقف أمام محطة الوقود، ويشعر بتأثيره كلما دفع ثمن النقل أو اشترى حاجيات أسرته.
قد تحاول بعض الأحزاب الفصل بين خطاب قياداتها ومواقف فرقها داخل البرلمان، لكن الناخب لا ينتخب المؤسسة التشريعية في فراغ. المستشارون يتحركون تحت أسماء أحزاب وهيئات سياسية ونقابية، وتصويتهم يحسب على الجهات التي يمثلونها.
لا يمكن لحزب أن يعلن في التجمعات أنه يدافع عن القدرة الشرائية، ثم يتعامل مع تصويت فريقه ضد التسقيف كأنه موقف فردي لا يعنيه.
المسؤولية السياسية جماعية. ومن رفض المقترح مطالب بأن يخرج إلى المواطنين ويشرح موقفه بالأرقام والحجج، ويقدم بديلاً أقوى وأكثر عدلاً.
الانتخابات ليست مناسبة لتجديد الولاء للأحزاب، بل لحساب الحصيلة ومقارنة الأقوال بالأفعال.
ومن حق المواطن قبل التصويت أن يسأل مرشحي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال عن سبب رفض فرقهم البرلمانية تسقيف أسعار المحروقات. ومن حق الشغيلة أن تسأل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب عن مبررات الوقوف إلى جانب الأغلبية ضد المقترح.
كما يحق للناخب أن يسأل الاتحاد الاشتراكي لماذا اختار الامتناع بدل اتخاذ موقف صريح من نص يرتبط بالقدرة الشرائية وملف «سامير».
هذه ليست دعوة إلى التصويت لحزب ومعاقبة آخر، بل دعوة إلى جعل التصويت البرلماني جزءاً من الذاكرة الانتخابية. فالناخب الذي لا يحاسب المنتخب على مواقفه يمنحه عملياً حرية قول شيء في الحملة وفعل نقيضه داخل البرلمان.
قد يكون التسقيف قابلاً للنقاش والتعديل، وقد توجد بدائل اقتصادية أكثر كفاءة. لكن إسقاط المقترح من دون تقديم بديل محسوس لا يمكن تغطيته بخطابات جديدة عن الدولة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية.
الأحزاب التي رفضت التسقيف ستعود قريباً إلى المدن والقرى والأحياء، وستطرق أبواب المواطنين وتطلب ثقتهم. وعندها سيكون السؤال مشروعاً:
حين كان صوتكم داخل البرلمان قادراً على حماية جيب المواطن، كيف استعملتموه؟
أما السؤال الأشد إحراجاً فهو:
رفضوا تسقيف المحروقات والانتخابات على الأبواب.. فهل ضمنوا أصوات المواطنين، أم أنهم يراهنون فقط على أن المواطن سينسى؟
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
