في السياسة كما في كرة القدم. هناك من يحلم ببناء مطار. وهناك من يقضي حياته يتشاجر حول أفضل مقعد في محطة الحافلات. والمفارقة أن أصحاب محطة الحافلات هم أول من يسخر من فكرة الطيران. ثم يقفون بعد سنوات لالتقاط صور "سيلفي" أمام المطار الجديد.
هكذا يبدو الجدل الذي رافق إعلان المغرب تركيز جهوده على التظاهرات العالمية الكبرى. فبينما تتحدث الرباط عن كأس العالم. لا يزال البعض يناقش بمنتهى الجدية من سيحمل كأساً قارية يمكن أن تنتهي ذكراها بعد أسبوعين من الاحتفالات والأغاني الوطنية.
إنها قصة طريفة بالفعل.
فكلما أعلن المغرب عن مشروع جديد. خرجت أصوات تتحدث عن "الكواليس" و"المؤامرات" و"النفوذ الخفي" وكأن الملاعب الحديثة تُبنى بالسحر. ومراكز التكوين تنبت مثل الفطر. والطرق والفنادق والمطارات تظهر بلمسة عصا ساحر إفريقي عجوز.
الغريب أن هذه الأصوات لا تسأل أبداً سؤالاً بسيطاً: إذا كان النجاح نتيجة مؤامرة، فلماذا لا يتآمر الجميع على النجاح؟
المغرب لم يختر طريقاً سهلاً. بل اختار طريقاً مكلفاً وطويلاً. يقوم على الاستثمار والتخطيط والعمل المؤسساتي. لكن بعض العقول ما زالت تؤمن بأن كرة القدم تشبه ألعاب الورق في المقاهي. حيث يمكن الفوز بالصراخ أكثر من اللعب.
هناك من يقيس قوة الدول بعدد الكؤوس في الخزائن. بينما يقيسها المغرب بعدد الملاعب والأكاديميات والاستثمارات والقدرة على تنظيم أكبر حدث رياضي في العالم.
والفرق بين الطريقتين يشبه الفرق بين من يشتري سيارة جديدة كل سنة. ومن يبني مصنعاً للسيارات. الأول يفرح أسبوعاً. والثاني يصنع مستقبلاً.
المشهد الأكثر إثارة للسخرية هو ذلك الذي يكرر على الدوام: كلما حصل المغرب على شرف تنظيم بطولة عالمية. ارتفعت أصوات تؤكد أن الأمر مجرد "نفوذ" لكن عندما تستضيف دول أخرى البطولات نفسها. يتحول الأمر فجأة إلى "نجاح دبلوماسي واستحقاق طبيعي"
إنها نظرية فيزيائية جديدة تستحق جائزة عالمية: النجاح المغربي لا يمكن تفسيره إلا بالمؤامرة. أما نجاح الآخرين فهو نتيجة العبقرية المطلقة!
وفي خضم هذا الجدل. يواصل المغرب بناء الملاعب. وتوسيع المطارات. وإنشاء خطوط القطار. وتطوير البنية الرياضية. بينما يواصل البعض الآخر بناء نظريات لا تحتاج إلى إسمنت ولا إلى مهندسين. بل إلى خيال واسع فقط.
المفارقة أن كرة القدم الحديثة لم تعد مجرد تسعين دقيقة فوق العشب الأخضر. بل أصبحت صناعة اقتصادية وسياحية وإعلامية واستثمارية. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن كأس العالم ليست مباراة. بل مشروع دولة.
ولهذا يبدو من الطبيعي أن يوجه المغرب بوصلته نحو الأفق العالميى.أن الدول لا تقاس بحجم الضجيج الذي تثيره. بل بحجم المشاريع التي تنجزها.
ولعل أكثر ما يزعج البعض ليس أن المغرب ينظم كأس العالم. بل أنه يفعل ذلك بهدوء. فلا خطابات ثورية. ولا بيانات نارية. ولا شعارات من نوع "سنسحق العالم" بل أوراش مفتوحة، ورافعات تعمل. واستثمارات تتزايد، واتفاقيات توقع.
إنها سياسة مملة جداً لعشاق الدراما. لكنها فعالة للغاية.
وفي النهاية. سيبقى التاريخ وفياً لعادته القديمة: فهو لا يسأل من كان الأكثر صراخاً. بل من كان الأكثر عملاً. وعندما تُطفأ أضواء الجدل وتبدأ صافرة أول مباراة في كأس العالم 2030، سيكتشف الجميع أن الزمن لا ينتظر من يختلف حول الماضي. بل يرافق من يخطط للمستقبل.
أما البقية. فسيظلون يتجادلون حول من فاز بمباراة الأمس. بينما العالم كله يشاهد المباراة القادمة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
