لم يفشل المنتخب وحده الإعلام الرياضي سقط في الامتحان أيضًا

عندما خسر المنتخب الجزائري رهانه في المنافسة الأخيرة، سارع كثيرون إلى توجيه أصابع الاتهام نحو اللاعبين والمدرب والاتحاد، وكأن الإخفاق وُلد داخل المستطيل الأخضر فقط. لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن المنتخب لم يكن وحده في دائرة الفشل، بل رافقه جزء من الإعلام الرياضي الذي ساهم في صناعة الوهم أكثر مما ساهم في صناعة الوعي.

لسنوات طويلة، اعتاد بعض الإعلاميين على تقديم المنتخب باعتباره قوة لا تُقهر، وعلى تسويق الانتصارات الصغيرة على أنها مؤشرات لتفوق مطلق، بينما كانت الأخطاء والنقائص تُدفن تحت عناوين عاطفية وشعارات حماسية لا علاقة لها بالتحليل الرياضي الرصين. كل صوت حاول التنبيه إلى الاختلالات وقراءة الواقع بعين نقدية كان يُتهم بالتشاؤم أو بعدم الوطنية، في مشهد عكس أزمة حقيقية في فهم دور الإعلام الرياضي.

المشكلة لم تكن في التشجيع، فالإعلام مطالب بدعم المنتخبات الوطنية، لكن الكارثة بدأت عندما تحول الدعم إلى تضليل، وعندما أصبحت بعض المنابر الإعلامية تبحث عن الإثارة والسبق في إطلاق التوقعات أكثر من بحثها عن الحقيقة. تم رفع سقف الآمال إلى مستويات خيالية، وتم تسويق صورة مثالية عن منتخب يعاني في الواقع من مشاكل واضحة على المستويين الفني والتنظيمي.

وعندما جاءت النتائج مخيبة للآمال، انقلب المشهد رأسًا على عقب. فجأة تحولت التصريحات المتفائلة والمبالغ فيها إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. آلاف المتابعين أعادوا نشر المقاطع والتنبؤات التي كانت تتحدث عن إنجازات كبيرة وانتصارات مؤكدة، لتصبح دليلًا على حجم الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني.

لقد كشف هذا الإخفاق عن أزمة أعمق من مجرد خسارة مباراة أو بطولة. إنها أزمة مصداقية. فالإعلام الذي يفقد قدرته على النقد الموضوعي ويتحول إلى منصة للتطبيل والمجاملة، يفقد تدريجيًا ثقة الجمهور واحترامه. وعندما تتكرر الأخطاء نفسها، يصبح الإعلام جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

إن الجماهير اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، ولم تعد تكتفي بالشعارات الرنانة والخطابات العاطفية. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي أصبح المتابع قادرًا على المقارنة والتحليل وكشف التناقضات، وهو ما جعل بعض الوجوه الإعلامية تجد نفسها في مواجهة موجة واسعة من الانتقادات بعد أن بالغت في رسم صورة لا تعكس حقيقة مستوى المنتخب.

الرياضة لا تبنى بالأوهام، والإعلام لا ينجح بالتطبيل. وما حدث يجب أن يكون جرس إنذار لكل من يعتقد أن مهمته هي بيع الأحلام للجماهير بدل نقل الحقائق إليها. فالمنتخب أخفق في تحقيق النتائج، لكن بعض وسائل الإعلام أخفقت في أداء رسالتها قبل ذلك بوقت طويل، وعندما جاءت لحظة الحقيقة سقط الفريق وسقط معه خطاب إعلامي ظل لسنوات يعيش على المبالغة أكثر مما يعيش على المهنية.

لقد خسر المنتخب مباراة أو بطولة، لكن الإعلام خسر شيئًا أكثر خطورة: جزءًا من مصداقيته أمام جمهور لم يعد يقبل أن يُخدع بالشعارات، ولا أن تُباع له الأوهام على أنها حقائق.

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
آش نيوز منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 19 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 12 ساعة
جريدة كفى منذ ساعتين
هسبريس منذ 22 ساعة
موقع بالواضح منذ 10 ساعات