روبرت جورج فيلسوفٌ أميركي بارز مِن ممثّلي اتجاه القانون الطبيعي الجديد الذي صاغه جون فينيس، وهو اتجاه محافظ يدعو إلى إعادة الاعتبار لمفاهيم الخير المشترك والقيم الأخلاقية الموضوعية والكرامة الإنسانية التي تشكّلت أصلاً في الأدبيات الفلسفية واللاهوتية الوسيطة.
وفي كتابه الأخير الصادر بعنوان «البحث عن الحقيقة وقول الحق»، ينتقد روبرت جورج بشدّة موجةَ النقدية التفكيكية المعاصرة التي تتبنّى أفكارَ التعددية الثقافية والنسبية الأخلاقية وما بعد الحقيقة، معتبراً أن معيارَ الحقيقة الكونية لا غنى عنه بالنسبة للمجتمعات الحرة والنُّظم الديمقراطية المدنية. وفي هذا الباب، يبيّن روبرت جورج أن العصور الحديثة ألغت فكرةَ القانون الطبيعي من حيث هو الإطار المعياري للقيم المدنية المشتركة، من منظور تعاقدي مصطنع يُنيط بالسياسة دورَ بناء المرتكزات الناظمة للتوافق الاجتماعي دون التقيد بسقف إبستمولوجي أو أخلاقي مسبق.
ومع أن هذه الرؤية تَصدر عن أولوية الحرية على الحقيقة، فإن هذا التصور السلبي للحرية، من حيث هي غياب العوائق والإكراهات الخارجية، يتعارض مع المعنى الحقيقي للحرية الذي يتضمن القدرةَ على الاختيار الأخلاقي الصحيح وفق تقديرات موضوعية دقيقة. ولهذا التصور علاقته بمكانة الدِّين في المجال العمومي، من منطلق ضرورة اغتناء التداول المدني المفتوح بالقيم العقدية والأخلاقية الدينية.
من الواضح أن هذا التيار الذي يشهد اليوم عودةً قويةً في الحقل الفكري والسياسي الأميركي، هو في حقيقته ردّة فعل قوية ضد التركة الكانطية في أبعادها الثلاثة: التمييز الإبستمولوجي بين المعرفة (في حدودها الممكنة) والعقل المجرد، والتمييز بين الخير الذي هو مجال الأخلاقيات المحضة والعدل في دلالته الإجرائية الصورية، والتمييز بين الجوانب الغيبية الإيمانية في الدين ومضامينه العقلانية الكونية. وقد اعتبر كانط أن هذه التمييزات هي التعبير الحديث عن مثال الاستقلالية والحرية في مقابل السُّلط العقدية والمعرفية الجماعية، مُنيطاً بالقانون المدني التعاقدي دورَ الدين والأخلاق معاً.ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت تظهر كتاباتٌ فلسفية جديدة تتبنّى العودةَ إلى أخلاقيات الفضيلة، باعتبار أن القوانين الكونية لا تتضمن بالضرورة تصوراً معيارياً للفعل السديد، بما يفتح البابَ للنزعة القانونية الوضعية التي لا يمكن أن توفر ضوابط مرجعية للسلوك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
