توازن العجز: مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية ومأزق القوة في الشرق الأوسط

د. عبدالناصر حامد

نادرًا ما تُصنع التحولات الكبرى في السياسة الدولية على قاعدة الثقة، بل غالبًا ما تنشأ من إدراك متبادل لحدود القوة وخطورة البدائل. ومن هذا المنطلق يمكن فهم مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة، التي لا تمثل اختراقًا تاريخيًا في العلاقات بين واشنطن وطهران بقدر ما تعكس لحظة سياسية فرضتها الوقائع أكثر مما صنعتها الإرادات.

فبعد أكثر من أربعة عقود من العداء والعقوبات والمواجهات غير المباشرة، اكتشف الطرفان أن قدرتهما على إلحاق الضرر ببعضهما البعض أصبحت أكبر من قدرتهما على تحقيق انتصار حاسم. ومن هذه الحقيقة تحديدًا وُلدت مذكرة التفاهم، لا بوصفها اتفاقًا نهائيًا أو تسوية شاملة، بل باعتبارها إطارًا مؤقتًا لإدارة الصراع ومنع انزلاقه نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود المنطقة.

ومن الناحية السياسية، تكتسب المذكرة أهميتها من توقيتها بقدر ما تكتسبها من مضمونها. فقد جاءت بعد مرحلة من التوتر العسكري والبحري هددت أمن الممرات المائية الدولية وأثارت مخاوف جدية بشأن استقرار أسواق الطاقة العالمية. وفي ظل تصاعد المخاطر، بدا واضحًا أن كلفة المواجهة المفتوحة أصبحت أعلى من قدرة الطرفين على تحمل نتائجها، وأن البحث عن صيغة مؤقتة لإدارة الأزمة بات خيارًا أكثر واقعية من الاستمرار في سياسة حافة الهاوية.

ومع ذلك، فإن النظر إلى المذكرة باعتبارها مقدمة لمصالحة تاريخية بين الولايات المتحدة وإيران يبقى استنتاجًا متسرعًا. فجوهر الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل يمتد إلى تصورات متباينة حول النفوذ الإقليمي وتوازنات القوة ومستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط. ولذلك تبدو الوثيقة أقرب إلى محاولة لتنظيم الصراع منها إلى إنهائه.

تكشف بنود المذكرة أن جوهرها يقوم على مقايضة سياسية وأمنية واضحة. فقد نصت على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية وتأمين حركة العبور، مقابل تخفيف تدريجي للضغوط الاقتصادية على إيران من خلال إعفاءات نفطية وتسهيلات مرتبطة بالموانئ والأموال المجمدة. كما تضمنت استمرار التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، بما يشمل معالجة ملف التخصيب ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب تأكيد إيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي.

وتبرز أهمية هذه البنود إذا ما أخذنا في الاعتبار المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. فبالنسبة لواشنطن، يمثل أمن الملاحة أولوية دولية تتجاوز الحسابات الثنائية مع إيران، بينما ترى طهران في تخفيف العقوبات وإعادة تنشيط صادراتها النفطية ضرورة اقتصادية وسياسية ملحة.

لكن العنصر الأكثر دلالة في المذكرة يتمثل في اعتماد مبدأ «الإعفاء مقابل الأداء». فهذا المبدأ يكشف حجم أزمة الثقة بين الطرفين؛ حيث لا تريد الولايات المتحدة تقديم مكاسب اقتصادية مسبقة قبل التحقق من تنفيذ الالتزامات الإيرانية، في حين ترفض طهران تقديم تنازلات استراتيجية دائمة من دون الحصول على فوائد ملموسة. وبذلك تصبح المذكرة قائمة على توازن دقيق بين خطوات متبادلة، يمكن لأي خلل في تنفيذها أن يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن الوثيقة لم تُنهِ منطق الردع، بل أعادت تنظيمه. فبقاء القوات الأمريكية التي حُشدت في المنطقة خلال فترة سريان المذكرة يعكس استمرار حالة الحذر المتبادل. فالتفاوض هنا لا يجري في ظل الثقة، بل تحت مظلة الردع. وبعبارة أخرى، فإن القوة العسكرية لم تغب عن المشهد، بل انتقلت من أداة مواجهة إلى أداة ضمان.

ورغم أن الجانب الاقتصادي يشكل أحد أهم دوافع التفاهم، فإن تفسير السلوك الإيراني من هذه الزاوية وحدها يبقى قاصرًا. فبالنسبة للنخبة الحاكمة في طهران، يرتبط الصراع مع الولايات المتحدة أيضًا بمفاهيم السيادة والاستقلال السياسي والاعتراف بالدور الإقليمي. لذلك لا يُنظر إلى أي تفاوض مع واشنطن باعتباره مسألة تقنية تتعلق بالعقوبات أو التخصيب فحسب، بل باعتباره جزءًا من صراع أوسع حول المكانة والدور والشرعية.

ومن هنا تظهر الفكرة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 10 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 3 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 5 ساعات
هلا أف أم منذ 11 ساعة
إذاعة الوصال منذ 7 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 11 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ ساعتين