الرأي | استثمارات الذكاء الاصطناعي

أصبح النقاش اليوم حول استخدام الذكاء الاصطناعي موضوعا ذو شجون وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي التي هي نفسها يتحكم فيها هذا الذكاء، تتبادل فيها الآراء.. فهل هذا الذكاء لازم وضروري من أجل التنمية، وضروري من أجل حماية الأنظمة المعلوماتية وتطوير الصناعات والكفاءات المهنية، وحاجة ملحة من أجل المنافسة الشرسة التي يتنافس فيها العالم والدول في كافة المجالات؟ هل عدم استخدامه لا يعمق الهوة بين العالم المتقدم و العالم الثالث كما كانوا يسمونه؟ وهل فعلا هناك مهن مهددة بالانقراض.. وكيف سيكون مستقبل القطاعات الحيوية ؟

فقد أثبتت الدراسات الصادرة عن بنوك الاستثمار العالمية مثل J.P. Morgan، ومراكز الإحصاء التي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد المهن اليدوية فقط، بل يضرب المهن المكتبية والذهنية في مقتل، كما تشير التقارير إلى أن حوالي 92 مليون وظيفة عالميا قد تتأثر أو تختفي بحلول عام 2030، بسبب الأتمتة.

ويعني هذا المصطلح، الذي أتى مع الذكاء، قدرة الروبوتات على أداء المهام والعمليات بأقل تدخل بشري ممكن، إذ تهدف إلى تسريع سير العمل، وتقليل الأخطاء البشرية، وتوفير التكاليف، وإتاحة الفرصة للموظفين للتركيز فقط على المهام الاستراتيجية والإبداعية، وبهذا المفهوم، تصبح الأتمتة في خدمة العملاء والدعم الفني، إذ أنه من المتوقع أتمتة 80 % من هذه الأدوار قريبا عبر المساعدين الرقميين الأذكياء.

وبإدخال البيانات والوظائف الإدارية الروتينية، تشير التقديرات إلى اختفاء 7.5 ملايين وظيفة إدارية في المدى القريب، من هذه الوظائف المحاماة ومهن التوثيق وصياغة العقود (المستويات المبتدئة)؛ فالذكاء الاصطناعي قادر حاليا على أتمتة ما يقرب من 44 % من المهام القانونية الروتينية، مثل مراجعة آلاف المستندات والسابقة القضائية في ثوانٍ (لكنه لا يعوض الترافع الإنساني الذكي طبعا).

ويتجلى دوره كذلك في الترجمة الفورية الروتينية وكتابة المحتوى البسيط (Copywriting)، فمع صعود النماذج اللغوية الكبيرة، تراجعت الحاجة إلى المحتوى التجاري التقليدي غير الإبداعي. مثلا تبادل ملفات ومراسلات بين محامين في شركات عابرة للقارات، بين مكتب في آسيا يعتمد الذكاء الاصطناعي، يقوم بدراسة ملف تجاري ضخم ويترجم أوراقه ويرسلها إلى مكتب ثاني في ظرف دقائق معدودات، يتخابر معه مثلا في إفريقيا.. فهل يكون المكتبان على نحو واحد من النجاعة، إذ يبدأ المكتب الثاني في قراءة مجموعة من الأوراق والحجج وتلخيصها وترجمتها، مما يستغرق أياما في انتظار الجواب بدون هذا الذكاء !؟

لذلك سوف يكون من السخافة عدم القول بأن المكتب الذي لا يستعمل الذكاء الاصطناعي هو متخلف عن عصر العولمة والتقدم العلمي.

حقيقة، لا يمكن أن نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يرافع بدل المحامي، خصوصا في القضايا الجنائية المعقدة، لأنه في القضايا البسيطة يمكن الاستئناس يوما بصوت الآلة يُتلى في القضايا البسيطة أمام القاضي في الجلسات، وربما سوف تسمح القوانين المسطرية بذلك كما سمحت بالمحاكمات عن بعد بسبب بعض الأوبئة، أما القضايا الجنائية الكبيرة، فسوف تصبح المرافعات فيها مكلفة من حيث الأتعاب ووقت المحاكم واختيار أصحابها، مما ستكون معه في المستقبل ترفا قانونيا مؤدى عنه، وربما ستضيع الفرص على المكاتب الأقل إمكانيات، ونفس الملاحظات سوف تسري في المستشفيات والأبناك والإدارات والمعامل والصناعات التي سوف يصبح فيها الدور الإنساني ترفا مؤدى عنه، لكونه سيصبح كأثر فني محتاج للمسة إنسانية مبدعة تخرجه من خوارزميات آلية مبسطة، وهي حالة تذكرنا بوقت مضى، لما انتقلنا من الآلة الكاتبة الكلاسيكية ذات الرنات المسموعة (Dactilo) إلى الكمبيوتر وبرامج Word و Excel واستخدام الحاسوب، والتي كان ينظر إليها نظرة اشمئزاز سرعان ما تحولت إلى إعجاب.

لقد تجاوز العالم الحديث فكرة هل نستعمل الذكاء الاصطناعي من عدمه إلى كيفية التسريع باستغلال مزاياه والتأقلم معه ورصد ميزانيات كبيرة من أجل تعليمه للأطفال في سن مبكرة، وتطويع خوارزمياته لفائدة التنمية.. وتلك قصة أخرى.

فقد قُدّر حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي بنحو 601.93 مليار دولار، ويتوقع الخبراء والمؤسسات البحثية، مثل Grand View Research، أن يقفز بشكل هائل ليتجاوز حاجز 3500 مليار دولار (3.5 تريليون دولار) بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 29 %.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
أشطاري 24 منذ 14 ساعة