الحمد لله الذى أقام السماوات والأرض بالعدل، وجعل الإنصافَ أساسَ العمران، وحذَّر من الظلم تحذيرًا شديدًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المبعوث رحمةً للعالمين، القائل: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». صدق الله العظيم
فما من داءٍ أفسد المجتمعات، وأورث الأحقاد، وقطع الأرحام، وأذهب البركات، مثل داء التهاون فى حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل. وإن المتأمل فى أحوال الأمم يرى أن كثيرًا من صور الفساد والخصومات والقطيعة إنما نشأت من جرأة النفوس على حقوق العباد، إذ يهون عند بعض الناس أن يظلم أخاه، أو يستولى على مال غيره، أو يحرم مستحقًا حقَّه، ناسيًا أن الله تعالى لا يغفل ولا ينسى، وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والاستيفاء.
لقد شدد القرآن الكريم فى التحذير من أكل الأموال بالباطل فقال سبحانه: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» (البقرة: 188).
وقال جل شأنه: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» (النساء: 10).
أى وعيدٍ أشد من أن يتحول المال الحرام فى حقيقته إلى نارٍ تتأجج فى البطون قبل أن تتأجج فى الآخرة؟
ومن أبشع صور أكل الحقوق ما يقع فى بعض المجتمعات من حرمان المرأة من ميراثها الذى فرضه الله لها فى كتابه، فتُسلب حقوقها باسم العادات، أو تحت ذرائع واهية من قبيل المحافظة على الأرض أو المال أو العائلة. وكأن هؤلاء قد جعلوا أعرافهم فوق حكم الله، مع أن الله تعالى تولى بنفسه قسمة المواريث ولم يتركها لأهواء البشر، فقال سبحانه: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» (النساء: 7).
فهو نصيبٌ مفروض، لا مِنَّةَ فيه لأحد، ولا يملك أحدٌ إسقاطه أو الانتقاص منه.
ومن صور الظلم كذلك الاستيلاء على أموال اليتامى والمساكين والضعفاء، فإن اليتيم لا يملك قوةً يدافع بها عن حقه، ولا سندًا يحمى ماله، فجعل الله تعالى الدفاع عنه عبادةً، والاعتداء عليه من أكبر الكبائر. وكذلك المساكين والفقراء الذين جعل الله لهم حقًا معلومًا فى أموال الأغنياء، فقال سبحانه:
«وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (الذاريات: 19).
ومن أعظم الجرائم أن يتعاون الناس على الظلم بشهادة الزور، فيقف شاهدٌ باع ضميره بدنيا زائلة ليمنح الظالم غطاءً كاذبًا، فيضيع حق صاحب الحق ويُمنح الباطل ثوب الشرعية. وقد عدَّ النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكرر التحذير منها حتى قال الصحابة: ليته سكت من شدة ما رأوا من غضبه وتحذيره.
ومن صور أكل الحقوق التى تتسع آثارها وتعمُّ أضرارها: الاستيلاء على المال العام، فإن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
