محمد الطالبي: أنا يوسف يا أبي

أنا يوسف يا أبي...

لا تنتهي حكاية يوسف؛ تتبدل الوجوه فقط. في كل زمن يُلقى يوسف في البئر، وفي كل زمن يخرج منها أكثر نقاءً، أشد يقينًا، وأقرب إلى الضوء.

أنا يوسف يا أبي...

تتكاثر الذئاب وتتغير الأسماء، لكن القميص يبقى شاهدًا على البراءة، ويبقى الحلم أكبر من الجب، وأوسع من الخيانة.

لم نُخلق للركوع يا أبي، وقد علمتني الحرية منذ أول خطوة، وعلمتني أن الإنسان لا يُقاس بعدد عثراته، بل بعدد المرات التي ينهض فيها بعد العثرات، أكثر صلابة، وأكثر وفاءً لما يؤمن به.

سيظل دمنا نقيًا يا أبي، لأنه أصيل، ولأن الجذور التي نبتت في أرض الكرامة لا تنحني للعواصف. ومهما استأسد المزوّرون والمرتزقة، ومهما ظنوا أن الضجيج يصنع الحقيقة، فإننا نراهم، ويراهم الجميع، صغارًا... صغارًا أمام التاريخ، وصغارًا أمام التضحيات، وصغارًا أمام الرجال الذين آمنوا بالمبادئ ولم يبيعوها في أسواق المصالح.

أنا يوسف يا أبي...

أحمل وجع السنين ولا أنحني، وأعبر حقول الخيبة دون أن أفقد إيماني بالإنسان. فقد علمتني أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل حياة تُعاش، وموقفًا يُدفع ثمنه كل يوم.

لسنا يا أبي عابري طريق في هذا الزمن، ولا شهودًا صامتين على ما يجري. نحن أبناء الموقف حين يندر الرجال، وأبناء الكلمة حين تُحاصر الحقيقة. نحمل ما استودعنا إياه الأوفياء من قيم ومبادئ، ونمضي بها دون خوف أو مساومة. قد تتغير الوجوه وتتعاقب الأزمنة، لكن ما سكن الروح من إيمان بالحرية والكرامة يظل أقوى من كل محاولات الطمس والتزييف.

وإن ضاقت الآبار، فإن السماء لا تضيق، وإن تكالبت العتمة، فإن الضوء يسكن قلوب الذين يعرفون معنى الحرية.

وسيظل يوسف يخرج من البئر مهما تعددت الآبار، وسيظل الحلم أكبر من الخوف، وأكبر من القهر، وأكبر من كل الذين ظنوا أن بإمكانهم إطفاء شمس الحقيقة. أما المزوّرون والمرتزقة، فستطويهم الأيام كما طوت قبلهم كثيرين، ويبقى الأصيل أصيلًا، ويبقى صوت الحرية أعلى من كل ضجيج.

أنا يوسف يا أبي...

لن أطلب من البئر أن تشهد لي، ولا من الذئاب أن تعترف بما فعلت. يكفيني أن أبقى وفيًا لما علمتني إياه: أن الحرية لا تُورث كلمات، بل مواقف، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الطريق إلى الضوء، مهما طال، لا يضلّه أصحاب القلوب النقية.

سيظل دمنا نقيًا لأنه أصيل، وستظل أرواحنا عصية على الانحناء، لأننا تعلمنا أن قيمة الإنسان فيما يحمل من مبادئ، لا فيما يجمع من مكاسب. ومهما علا صخب المزيفين والمرتزقة، فإن الحقيقة تملك صبر الزمن، والزمن وحده كفيل بأن يعيد لكل شيء حجمه الحقيقي.

أنا يوسف يا أبي... وما زلت أمشي نحو الضوء.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
أشطاري 24 منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 10 ساعات
آش نيوز منذ 6 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ ساعتين