ملف الأسبوع | مضيق هرمز بين أمريكا والمغرب وإيران

واجه الاقتصاد العالمي خلال هذه السنة أزمة خطيرة أدخلته في نفق مظلم، وذلك عندما شنت كل من أمريكا وإسرائيل هجوما عسكريا على إيران، كان من انعكاساته إقدام هذه الأخيرة على إغلاق مضيق هرمز، الاستراتيجي، الذي يعتبر شريان الطاقة العالمي، على اعتبار أن نسبة كبيرة من صادرات دول الخليج العربي من النفط والغاز تمر عبر هذا المضيق، ما أدخل الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة، حيث ارتفعت أسعار البترول ووصلت في المغرب على سبيل المثال إلى 15 درهما للتر الواحد، وفي منتصف ليلة الأحد الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توصله لاتفاق سلام مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يقضي برفع إيران حصارها على مضيق هرمز والسماح بحركة الملاحة دون فرض رسوم جمركية على السفن العابرة للمضيق، مقابل إنهاء أمريكا لحصارها على إيران وسحب سفنها الحربية من المضيق.

القرار لاقى ترحيبا دوليا واسعا، حيث كانت المملكة المغربية من بين الدول التي عبرت عن دعمها لاتفاق السلام المبرم بين الطرفين، ويمكن القول أن المغرب يبقى بعيدا عن منطقة النزاع ومن المستبعد أن يكون له أي دور في تقارب وجهات النظر بين أطراف النزاع، ولا يمكن الجزم حول ما إذا كان للدبلوماسية المغربية أي دور في اتفاق السلام هذا.. غير أنه إذا عدنا للتاريخ، فإننا نجد أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يغلق فيها مضيق هرمز بسبب الحروب، إلا أن الجديد يكمن في أنه من خلال التنقيب في وثائق الأرشيف الأمريكي، وجدنا أن أمريكا طلبت من المغرب سنة 1988، أن يتدخل ويلعب دور الوسيط خلال الحرب الإيرانية-العراقية من أجل جر أطراف النزاع للحوار والتفاوض قصد فتح معبر هرمز، تفاصيل مثيرة حول هذه الواقعة تجدونها ضمن هذا العدد.

أعد الملف: سعد الحمري

مضيق هرمز تاريخ من الإغلاق والأزمات الدولية

حظي مضيق هرمز، الممر المائي الذي يقع بين شبه الجزيرة العربية وبلاد فارس (الآن بين الإمارات وسلطنة عمان وإيران)، بتاريخ ممتد منذ أزل بعيد، ودارت حوله أحداث تركت أثارها على مسيرة التجارة في هذه المنطقة من العالم، منها معركة مهمة في هذا المضيق بين أسطول عثماني وأسطول برتغالي في غشت من عام 1553، وقد تمكن البرتغاليون من هزم الأتراك والتحكم في المضيق إلى حين..

ويتساءل البعض عن تسمية المضيق بهرمز، ويذكر المؤرخون أن العرب أقاموا مملكة هرمز في القرن العاشر الميلادي على السواحل الشرقية من الخليج، أي من الجانب الفارسي، اشتهرت بالتجارة وعملت على تربية الخيول وتصديرها إلى الهند، وربما كانت لهذه المملكة وتجارتها وطبيعة البشر فيها تأثيرات قيّمة على تعزيز التجارة بين مدن السواحل الغربية من الخليج مع الهند وشرق إفريقيا. فقد كانت السفن الشراعية تبحر إلى الهند وسواحل إفريقيا محملة بالخيول وغيرها من الصادرات، وتعود محملة بالتوابل والأحجار الكريمة والأقمشة والذهب والعاج.. وبذلك أصبح هرمز مركزا لتجميع السلع في جنوب الخليج، وقد تحكم البرتغاليون بها منذ عام 1514 قبل أن يتمكن الصفويون، الفرس، من طردهم واحتلالها في عام 1622 بعد أن تحالفوا مع الإنجليز.

لا يزيد عرض هذا المضيق عن 50 كيلومترا، يمر منه ما يقارب 20 في المائة من الإنتاج العالمي من النفط، إذ تصدر السعودية نحو 88 في المائة من صادراتها النفطية من خلاله، والعراق 98 في المائة، والإمارات نحو نصف صادراتها منه، وكذلك صادرات النفط الكلية للكويت وقطر وإيران، أما عرض ممر الدخول والخروج في المضيق، فلا يزيد عن 10.5 كيلومترات، وهو يتعامل مع 20 إلى 30 ناقلة نفط يوميا.

أهم الصراعات ذات الصلة، كانت الحرب العراقية-الإيرانية التي اشتعلت في شتنبر 1980، بعد نجاح ثورة الخميني في إيران؛ تلك الحرب أثرت على الصناعة النفطية وإنتاجها في العراق وإيران وأثرت على الدول المجاورة، لكن ما زاد التوترات هو قيام الإيرانيين خلال الحرب بمهاجمة الناقلات النفطية بهدف التأثير على الدول الخليجية المصدرة للنفط، وقد أطلقت على هذه الممارسات تسمية حرب الناقلات ، كما استفز العراق الإيرانيين، بعد مهاجمتهم ناقلات النفط الإيرانية، في محاولة لمنع إيران من تصدير نفطها، وقد دفع استمرار التوترات الإيرانيين إلى اتخاذ إجراءات متعسفة، منها محاولة إغلاق مضيق هرمز أمام كل حركة النقل البحري، وأدت هذه التوترات إلى دفع دول الخليج إلى الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية لحماية إمدادات النفط من الهجمات الإيرانية.

أثر طول أمد الحرب، التي امتدت لمدة ثماني سنوات، على الاقتصاد العالمي، حيث ظلت أسعار النفط مرتفعة طيلة هذه المدة، وبعد صراع مرير داخل أروقة الأمم المتحدة، تم إصدار القرار رقم 598، وهو أحد قرارات مجلس الأمن الصادرة في 20 يوليوز 1987، والقاضي بإنهاء الحرب الإيرانية-العراقیة التي بدأت عام 1980، وكان قد سبقتها تدخلات إيرانية في العراق قام بها رجال الدين فور وصولهم إلى السلطة عام 1979، أبرزها مطالبة قائد الثورة الإيرانية، الخميني، الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بالاستقالة، تبعتها أعمال تخريبية من الجانبين أدت إلى حرب دموية استمرت ثمانية أعوام.

وقد لاقى القرار 598، فور صدوره من قبل مجلس الأمن، ترحيبا عربيا ودوليا، إلا أن إيران واصلت هجماتها العسكرية داخل الأراضي العراقية، في محاولة للحصول على أوراق للمساومة في حال بدأت مفاوضات، وهو الأمر الذي لم يتحقق حينها، حيث أرغمت على إنهاء الحرب في 20 غشت 1988.

وبهذا الخصوص، تشير وثائق وزارة الخارجية البريطانية، الموجودة في الأرشيف الوطني البريطاني، إلى القرار 598 والحراك الدبلوماسي العراقي الذي قاده وزير خارجية العراق، طارق عزيز، على الساحة الدولية في تلك الحقبة، ويتحدث تقرير سري مطول، مرسل من قبل البعثة الدبلوماسية البريطانية في نيويورك إلى لندن بتاريخ 19 يوليوز 1988 ويحمل توقيع روب يونغ، المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، أنه ((من السابق لأوانه أن نقيم بثقة المسار المحتمل للأحداث التي أعقبت قبول إيران أمس قرار مجلس الأمن 598، لكن الآراء الأولية التالية التي تمت مناقشتها معكم بعبارات عامة، قد تساعد في تسليط الضوء على بعض المخاطر والتحديات التي تنتظرنا))، ثم تساءل هذا الدبلوماسي البريطاني المخضرم، والمتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مستغربا عن التوقيت المتأخر جدا الذي اختاره الإيرانيون للإعلان عن قبولهم القرار رقم 598، قائلا: ((لماذا الآن؟ يبدو هذا التوقيت للموافقة على التفاوض مهينا بشكل خاص للإيرانيين. لقد فقدوا أخيرا تقريبا جميع الأراضي العراقية التي احتلوها بعد عام 1982 بكلفة باهظة.. إنهم محاصرون في الخليج، خائفون من استخدام قواتهم البحرية النظامية في مواجهة التفوق البحري الأمريكي، كما أن رفسنجاني لم يفعل شيئا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة، ومع ذلك، فقد تزايد الاستنزاف وبان التعب من الحرب بشكل سريع في الأشهر الأخيرة؛ فقد أثرت التكتيكات العسكرية العراقية (حرب المدن، والضغط المستمر على الجيوب الإيرانية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، والهجمات الجوية الثقيلة، على الأهداف الاقتصادية) في معنويات المدنيين والعسكريين، وفي الاقتصاد المتعثر، وبدأت تظهر الانتقادات العلنية على نطاق واسع وخطير، حيث تطرح لأول مرة ضد الحرب وضد الخميني، ومن المتوقع أن يثير الحشد العسكري العراقي الأخير مقابل منطقة عبادان، المزيد من الخوف والقلق، ويبدو أن القادة الإيرانيين قد خلصوا، ليس فقط إلى أنهم لا يستطيعون كسب الحرب (يجب أن يكون ذلك واضحا لمعظمهم بعد الفشل في الاستيلاء على البصرة في أوائل عام 1987)، ولكن إلى أن الثورة نفسها قد تكون مهددة)).

رسالة الرئيس الأمريكي ريغان إلى الملك الحسن الثاني

كما تضمنت الرسالة ما يلي: ((جلالة الملك؛ إن الصراع المستمر في الخليج يُشكل مشكلة كبيرة لنا وللدول العربية المعتدلة في المنطقة، لذلك فإن رغبتنا الأولى هي إنهاء هذه الحرب المؤلمة من خلال التنفيذ الفوري لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 598، إلا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي وتشاهد سفنا بريئة تتعرض لهجمات خارجة عن القانون في حين أن لديها القدرة على تقديم المساعدة، وانطلاقا من التزامنا المستمر بحرية الملاحة في المياه الدولية، فقد قررتُ تقديم المساعدة الأمريكية في ظروف معينة للسفن المنكوبة، دون زيادة عدد القوات الحالية.

جلالة الملك؛ بينما نواصل العمل معا لحل المشاكل التي تواجهنا، فإنني آمل بصدق خلال هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، أن يرفع المغرب، بتوجيهكم وقيادتكم الرشيدة، صلواته الجماعية من أجل السلام، حتى يتمكن شعبانا يوما ما من العيش في عالم يسوده الاستقرار والطمأنينة))، وطلب الرئيس الأمريكي من الملك الحسن الثاني، حث أطراف النزاع على ضرورة تطبيق القرار الأممي.

لا يمكننا الجزم بأن المغرب لعب دورا من أجل حث أطراف النزاع على المصالحة وتطبيق القرار الأممي رقم 598، غير أنه في شهر غشت من نفس السنة، أعلنت إيران قبول القرار الأممي وإنهاء الحرب، أي بعد ثلاثة أشهر على رسالة الرئيس الأمريكي إلى الملك المغربي.

كما تشير عدة وثائق أمريكية، خلال نفس الفترة، إلى أن المغرب حاول كثيرا إقناع أمريكا بعدم توجيه ضربة عسكرية إلى ليبيا بسبب البرنامج الكيماوي لهذه الأخيرة، على اعتبار أن المصانع التي شيدتها ليبيا كانت لأغراض سلمية.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 11 ساعة
منذ 46 دقيقة
منذ 8 ساعات
منذ 53 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
موقع بالواضح منذ 58 دقيقة
أشطاري 24 منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 21 ساعة
جريدة تيليغراف المغربية منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات