في لحظة نادرة، هزّ مشهدٌ وجدان اليمن كلّه؛ مشهدٌ لم يألفه الناس في رجل قبليّ أصيل، لم يعتد أن يريَ دمعَه أحدٌ. حين وطئت قدمُ الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي ترابَ الريان في محافظة مأرب، وحين كسر جفنه أمام مرأى من ربعه وقبيلته، لم يكن ذلك وهنًا ولا انكسارًا، بل كان أعلى أصوات الاستغاثة، وأبلغ رسائل النخوة التي يمكن أن يبعثها رجلٌ حرٌّ واجه الظلم بجسده، فلم يعد يملك إلا صوتَه ودمعَه ليُحرّك الجبال.
إنه درسٌ في الكرامة، يُكتب اليوم بحروف من نار، قبل أن يُكتب بحروف من نور في سجلات التاريخ.
بين قهر البدروم واستغاثة الريان
دعونا نضع الصورة بوضوح: رجلٌ شيخ، له مكانته وجاهه، يُتم اعتقاله في وضح النهار، ويُلقى في بدروم موحش، بعيدًا عن أعين الناس، خارج إطار القانون، تحت رحمة مليشيا لا تعرف للقيم الإنسانية ولا للأعراف القبلية وزنًا. يُضغط عليه، ويُعذب، ويُجبر على النطق بما لا يعتقده، وكل ذلك بسبب وقوفه مع ميرا بنت صدام حسين المجيد، التي لجأت إليه طلبًا للعدل والإنصاف. أيُّ ظلمٍ هذا الذي تجاوز حدود الجسد ليُحاصر الروح؟ وأيُّ انحطاطٍ أخلاقيٍّ هذا الذي يدفع عصابةً مسلحةً إلى إذلال شيخ قبيلة لأنه تمسك بمروءته؟
ثم يأتي الخروج من ذلك الجحيم، لتكون المحطة الأولى في مناطق الشرعية، وحين وصل إلى ربعه في دهم، كسر جفنه أمام قبائل اليمن في مشهد حمل رسائل عميقة تجاوزت كونه حدثًا عابرًا، ليؤكد أن مرحلة الصمت قد انتهت، وأن المواقف أصبحت مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، فهو لم يطلب الشهره ولا المنصب، ولم يطلب حماية شخصية. طلبَ ما هو أعلى: طلب النخوة. بكاؤه ليس بكاءَ ضعفٍ، بل هو صرخةُ رجلٍ رأى أن إنسانيته قد انتهكت، وأن كرامته قد استُبيحت، وهو يدرك أن الحل الوحيد المتبقي هو أن تتحرك القبائل كما تتحرك الجيوش حين يُستنفر لها.
"الرجال لا تكسر جفونها إلا إذا ضاقت بها الدنيا."
هذه ليست مجرد مقولة، بل هي حقيقة قبلية راسخة. ففي ثقافتنا، كسرُ الجفن ليس فعلاً عابراً، بل هو نداءٌ للعامة، وخطابٌ مفتوح لكل ذي نخوة، يفهمه الجميع على أنه اللحظة التي يُعلن فيها الرجل أنه لم يعد قادرًا على حمل ثقل الظلم وحده، وأن الوقوف معه الآن لم يعد خيارًا بل واجبًا مقدسًا.
الرجل الذي لم يساوم
والشيخ حمد لم يساوم. وهنا يكمن جوهر الفرق بينه وبين كثير من المشائخ الذين سلكوا طريق المسايرة والانبطاح، ظنًا منهم أن الصمت يحمي المكانة، وأن التخاذل يحفظ المنصب. لقد ترك المزارع والأموال والبيوت، آثرًا لحريته وكرامته، وخرج من مناطق المليشيا بكل أفراد أسرته، مختارًا الغربة والعسر على الخنوع والذل.
هذا هو معدن الرجال الأوفياء. من يضع الضمير فوق المصالح، ومن يرى أن المروءة أغلى من كل ثروات الدنيا. إنه يقف اليوم في الريان، ليس ضيفًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
