أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلًا جديدًا حول "صناعة التعهيد"، موضحًا أن هذه الصناعة أصبحت إحدى أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات وتوليدًا لفرص العمل في ظل التحولات المُتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي العالمي، مضيفًا أن الشركات العالمية لم تعُد تبحث فقط عن خفض التكاليف التشغيلية، بل أصبحت تسعى إلى الوصول للكفاءات البشرية والقدرات التكنولوجية التي تمكنها من تقديم خدمات عالية القيمة عبر الحدود. وأضاف أن صناعة التعهيد تعتمد على إسناد بعض المهام أو الخدمات إلى جهات خارجية متخصصة تمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة لتنفيذها.
وتلجأ الشركات والمؤسسات إلى التعهيد بهدف خفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، بما يتيح لها التركيز على أنشطتها الأساسية وتعزيز قدرتها التنافسية.
وقد أدى التوسع في التحول الرقمي وتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى زيادة الطلب العالمي على خدمات التعهيد، لتشمل مجالات متعددة، مثل: خدمات مراكز الاتصال، وتطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، والخدمات المالية والمهنية؛ مما جعل هذه الصناعة أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي هذا الإطار، تبرز مصر كإحدى الوجهات الصاعدة في سوق التعهيد العالمية، مستفيدة من قاعدة شبابية واسعة، وبنية تحتية رقمية متطورة، وموقع جغرافي يربط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية والإفريقية. واستنادًا إلى بيانات البنك الدولي، فإن مؤشرات التنمية العالمية (WDI) تظهر تطورات هيكل الناتج المحلي الإجمالي المصري خلال الفترة (2015 - 2024) والأهمية المتزايدة لقطاع الخدمات، الذي حافظ على مكانته كأكبر القطاعات المساهمة في الاقتصاد المصري، مستحوذًا على نحو 48.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024. وتكتسب هذه الأهمية بُعدًا إضافيًّا في ظل النمو المتسارع للأنشطة الخدمية الحديثة، وعلى رأسها خدمات التعهيد وتصدير الخدمات الرقمية.
وشهدت صناعة التعهيد في مصر نموًّا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس تنامي مكانتها كأحد القطاعات الواعدة الداعمة للاقتصاد الرقمي؛ حيث توسَّعت القاعدة التشغيلية للقطاع لتضم أكثر من 240 شركة تمتلك نحو 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، وأسهمت في توفير نحو 181 ألف فرصة عمل، فضلًا عن توقيع مذكرات تفاهم مع 55 شركة عالمية ومحلية، الأمر الذي يعكس تزايد ثقة المستثمرين في السوق المصرية وقدرتها على تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لخدمات التعهيد.
استعرض التحليل مفهوم التعهيد وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بأنه اعتماد المؤسسة على سلع أو خدمات يتم إنتاجها خارج حدودها التنظيمية بواسطة جهة أخرى، سواء داخل الدولة نفسها فيما يعرف بالتعهيد المحلي (Domestic Outsourcing) أو خارجها. أما التعهيد الخارجي (Offshore Out sourcing) فيُقصد به نقل أو الحصول على إنتاج السلع والخدمات من خارج الدولة التي توجد فيها المؤسسة. ويتخذ هذا النمط شكلين رئيسين؛ الأول هو التعهيد الداخلي من الخارج، حيث تقوم المؤسسة بنقل جزء من أنشطتها الإنتاجية أو الخدمية إلى فروعها أو شركاتها التابعة في الخارج مع احتفاظها بالملكية والسيطرة على تلك الأنشطة، سواء كانت هذه الفروع قائمة بالفعل أو تم إنشاؤها خصوصًا لهذا الغرض. أما الشكل الثاني فهو التعهيد الخارجي عبر التعاقد، والذي يتمثل في إسناد إنتاج السلع أو الخدمات، كليًّا أو جزئيًّا، إلى شركة أجنبية مستقلة لا تربطها علاقة ملكية بالمؤسسة الأصلية، وهو ما يُعرف بالتعاقد من الباطن على المستوى الدولي. وبذلك فإن التعهيد الخارجي لا يقتصر على نقل الأنشطة الاقتصادية إلى شركات مستقلة في الخارج، بل يشمل أيضًا تحويلها إلى فروع أو شركات تابعة مملوكة للمؤسسة نفسها، وهو ما يجعل التمييز بين هذه الأشكال المختلفة أمرًا ضروريًّا لفهم طبيعة سلاسل القيمة العالمية وتقييم الآثار الاقتصادية المترتبة على انتشار أنشطة التعهيد الدولية.
وفي ضوء تعدد مجالات التعهيد وتوسع نطاق تطبيقاته، أشار التحليل إلى لجوء الشركات لهذا المجال لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تتجاوز مجرد خفض التكاليف؛ حيث تُسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية، وتقليل المخاطر، وتعزيز القدرة على النمو المستدام. فمن خلال الاستعانة بمقدمي خدمات متخصصين، تستطيع المؤسسات الوصول إلى خبرات ومهارات متقدمة دون تحمل تكاليف التوظيف والتدريب المستمرة، كما تستفيد من وفورات الحجم التي تُمكِّنها من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى. ويوفر التعهيد أيضًا مرونة كبيرة للشركات في التكيف مع التغيرات في حجم الطلب والظروف السوقية؛ مما يساعدها على التوسع أو تقليص العمليات وفقًا لاحتياجاتها.
إضافة إلى ذلك، يسمح التعهيد للمؤسسات بالتركيز على أنشطتها الأساسية وأولوياتها الاستراتيجية بدلًا من الانشغال بالمهام التشغيلية والإدارية، الأمر الذي يعزز الإنتاجية والقدرة التنافسية. كما يُسهم في تحسين جودة الخدمات واستمراريتها من خلال الاعتماد على مزودي خدمات متخصصين يلتزمون بمعايير أداء محددة، فضلًا عن دوره في دعم الامتثال التنظيمي وإدارة المخاطر في ظل تزايد تعقيد القوانين والمتطلبات التنظيمية على المستويين المحلي والدولي.
أوضح التحليل أنه في ظل التحول العالمي المتسارع نحو اقتصاد الخدمات الرقمية، تبرز مؤشرات الثقة الدولية كأداة تحليلية مهمة لقياس جاذبية الدول في قطاع التعهيد، وكشف نقاط القوة والضعف النسبية التي تحدد مواقعها في سلاسل القيمة العالمية. ويُعد مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي (Offshore CX Confidence Index 2025) تقريرًا سنويًّا يصدر بالتعاون بين شركتي Cognitive Copy وRyan Strategic Advisory، ويهدف إلى تقييم مدى جاذبية وكفاءة مواقع التعهيد الخارجي (Offshore) والتعهيد القريب (Nearshore) في مجال إدارة تجربة العملاء وخدمات مراكز الاتصال وعمليات الأعمال. ويعتمد المؤشر على آراء العاملين ومقدمي الخدمات في 16 دولةً وموقعًا عالميًّا، مما يجعله أداةً مرجعيةً تساعد قادة الأعمال ومتخذي القرار على اختيار المواقع الأكثر ملاءمةً لتقديم خدمات تجربة العملاء في بيئة عالمية متغيرة ومتزايدة التنافسية.
ويعتمد المؤشر على مسح هاتفي أُجري خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025، واستهدف المديرين والتنفيذيين والقادة التشغيليين العاملين في قطاع تجربة العملاء (CX) وخدمات التعهيد (BPO)، سواء في مراكز الاتصال الداخلية التابعة للشركات أو لدى مقدمي خدمات التعهيد.
أوضح التحليل أن نتائج مصر في مؤشر الثقة في تجربة العملاء في التعهيد الخارجي تُظهر مستوى مرتفعًا من الثقة بلغ 80.9%؛ مما يعكس مكانتها المتنامية كوجهة جاذبة لخدمات التعهيد الخارجي وتجربة العملاء. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى توافر قوة عاملة شابة ومتعددة اللغات بتكلفة تنافسية، إلى جانب بنية تحتية جيدة، وسوق عقارية تجارية قوية، ومستويات مرتفعة من الأمن والاستقرار التشغيلي. وقد حققت مصر أعلى درجات الثقة في مجالي الأمن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الفجر
