رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار الأخير حيز التنفيذ وبدء إعادة فتح «مضيق هرمز» تدريجياً، لا تزال شركات الشحن وملاك ناقلات النفط يتبنون نهجاً حذراً تجاه استئناف عملياتهم في أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
يأتي ذلك في ظل استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين وعدم استقرار البيئة التشغيلية، بحسب مانقله موقع AGBI عن محللين في القطاع.
يعكس هذا التردد أن إعادة تشغيل أحد أكثر شرايين تجارة النفط العالمية لا ترتبط بوقف العمليات العسكرية فحسب، بل تتطلب استعادة الثقة التجارية وإعادة تسعير المخاطر التي تحكم قرارات شركات النقل البحري والمؤسسات التأمينية، رغم بدء تنفيذ خطة مدعومة من الأمم المتحدة لإجلاء مئات السفن وآلاف البحارة الذين تقطعت بهم السبل خلال النزاع.
1150 سفينة وبضائع بقيمة 125 مليار دولار تنتظر عبور مضيق هرمز
عزوف شركات الشحن عن «مضيق هرمز»
في أول اختبار عملي لقياس شهية السوق، أخفقت «إنديان أويل» (IOC) في استقطاب عروض من شركات الشحن لاستئجار ناقلات لنقل النفط الخام والغاز من موانئ الخليج، في خطوة اعتبرها محللون مؤشراً مباشراً على استمرار عزوف ملاك السفن عن العودة إلى «مضيق هرمز».
ورغم بدء السفن بالعبور ضمن خطة الإجلاء، والتي تستهدف إخراج مئات السفن ونحو 11 ألف بحار عالقين في الخليج، فإن إصرار الحرس الثوري الإيراني على التزام السفن بالممرات البحرية التي تحددها طهران أضاف طبقة جديدة من عدم اليقين أمام شركات الوساطة البحرية وملاك الناقلات.
قبل اندلاع النزاع في 28 فبراير، كان «مضيق هرمز» يستوعب نحو خمس تجارة النفط العالمية، بمتوسط يقارب 20 مليون برميل يومياً، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية تأثيراً في أمن الطاقة العالمي.
وكانت مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي قد مهدت الطريق لإعادة فتح المضيق تدريجياً أمام حركة الملاحة التجارية.
مناقصات النفط والغاز الهندية تواجه العزوف
أطلقت «إنديان أويل» الأسبوع الماضي مناقصات لاستئجار «ناقلة نفط عملاقة» (VLCC) قادرة على نقل مليوني برميل من النفط، إضافة إلى ناقلة من فئة «سويس ماكس» (Suezmax) بسعة تصل إلى مليون برميل.
كما طلبت الشركة عروضاً لاستئجار ناقلة غاز عملاقة قادرة على نقل نحو 45 ألف طن من غازي البروبان والبيوتان، المستخدمين على نطاق واسع في سوق غاز البترول المسال.
وكانت الشركة تخطط لاستيراد النفط الخام من الكويت والسعودية، إضافة إلى غاز البترول المسال من السعودية أو قطر أو الكويت.
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوبي إيران، 4 مايو 2026
بيانات تكشف تعافيا محدودا لحركة الناقلات
أظهرت بيانات «لويدز ليست» (Lloyd's List) تحسناً تدريجياً في حركة الناقلات خلال الأيام الأخيرة، إذ غادرت 87 سفينة غير إيرانية يمكن تتبعها «مضيق هرمز» خلال الفترة بين 15 و21 يونيو، مقابل دخول 31 سفينة فقط.
في المقابل، سجلت السفن الإيرانية اتجاهاً معاكساً، مع دخول 27 سفينة إلى المضيق وخروج 30 سفينة خلال الفترة ذاتها.
ورغم هذا التحسن، لا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية قبل الحرب، عندما كان أكثر من 700 سفينة تعبر المضيق أسبوعياً، ما يعكس استمرار الفجوة بين إعادة فتح الممر البحري واستعادة النشاط التجاري الكامل.
ويرى محللون أن غياب الاستجابة لمناقصات «إنديان أويل» يؤكد أن السوق لم يستعد بعد مستوى الثقة اللازم لإعادة توجيه الأساطيل التجارية نحو الخليج.
وقال أرسينيو لونغو، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «هواكس إنرجي إنتليجنس» (Huax Energy Intelligence)، إن مناقصة الشركة الهندية تمثل مؤشراً أكثر دلالة من بيانات حركة السفن التي تصدرت المشهد خلال الأيام الماضية. وأضاف أن المناقصة «كانت اختباراً مباشراً للسوق، إلا أن السوق لم يستجب».
وأوضح أن السفن الموجودة بالفعل داخل الخليج تمتلك حافزاً اقتصادياً لمغادرة المنطقة بعد أسابيع من الانتظار مع شحنات مرتبطة بعقود قائمة، بينما يعني إرسال ناقلات جديدة تحمل تكاليف أعلى لتأمين مخاطر الحرب، واحتمالات التأخير، وعدم وضوح جاهزية الموانئ، واستمرار الضبابية الأمنية.
وأشار إلى أن هيمنة حركة الخروج على الدخول لا تعكس وجود قيود تنظيمية على الملاحة، بقدر ما تعكس أزمة ثقة وتراجع شهية المخاطرة لدى ملاك السفن.
وأكد أن التحدي لم يعد يتمثل في القدرة الفنية على عبور المضيق، بل في إمكانية تسعير الرحلات وتأمينها وتحقيق جدواها الاقتصادية بالنسبة لملاك السفن والمستأجرين وشركات التأمين والأطقم البحرية.
عُمان تتيح ممراً بحرياً مؤقتاً لعبور مضيق هرمز دون فرض رسوم
ارتفاع تكاليف تأمين المخاطر وأجور شحن ناقلات النفط
في مؤشر على استمرار ارتفاع علاوة المخاطر، أفادت «بلومبرغ» (Bloomberg) بأن شركة «سينوكور» (Sinokor)، إحدى أكبر مشغلي ناقلات النفط العملاقة، حجزت بصورة مبدئية ناقلة لنقل النفط من الخليج مقابل أجور بلغت نحو تسعة أضعاف المعدلات المرجعية المعتادة.
عادة ما تستخدم السفن التجارية «نظام فصل حركة الملاحة» (Traffic Separation Scheme)، وهو ممر ملاحي دولي معتمد لتنظيم حركة السفن في «مضيق هرمز»، إلا أن المخاوف من احتمال وجود ألغام بحرية في أجزاء من هذا المسار دفعت بعض السفن إلى استخدام طرق بديلة، فيما أصدر الحرس الثوري الإيراني تعليمات تلزم السفن باستخدام الممرات التي تحددها طهران، ما زاد من تعقيد قرارات التشغيل أمام شركات الشحن.
وقال حمد حسين، الخبير الاقتصادي المختص بالمناخ والسلع في «كابيتال إيكونوميكس» (Capital Economics)، إن تعدد المسارات البحرية المتاحة يولد مخاطر تشغيلية إضافية أمام ملاك السفن عند اختيار المسار الأنسب للعبور.
وأضاف أن حالة الارتباك التي سادت الأسواق خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن احتمال إغلاق إيران للمضيق مجدداً لم تسهم في تهدئة معنويات شركات الشحن.
ورجح حسين أن يؤدي نجاح عدد أكبر من السفن في عبور «مضيق هرمز» بسلام إلى خلق تأثير تراكمي يعيد بناء الثقة تدريجياً، بما يشجع المزيد من ملاك الناقلات على استئناف عملياتهم في هذا الممر الحيوي، ويقود تدريجياً إلى تطبيع حركة التجارة البحرية في المنطقة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
