مقال د.عبدالله سرور الزعبي. الأردن بين إرث الصمود وتحديات القرن القادم

ما الذي يجعل دولةً قادرةً على الاستمرار في منطقة أرهقت الإمبراطوريات وأربكت مشاريع القوى الكبرى، بينما تتعثر دول امتلكت المال والجيوش والشعارات؟ الإجابة لا تأتي من الحاضر وحده، بل تتشكّل في رحم التاريخ؛ إذ ثمة حقيقة فلسفية يغفل عنها كثير من صانعي السياسات، أن الدول لا تموت بالهزيمة العسكرية وحدها، بل تموت حين تفقد السؤال الذي أوجدها. فكل دولة عظيمة قامت على سؤال وجودي أجابت عنه بما لم تستطعه سواها؛ روما أجابت عن سؤال النظام والقانون، والصين الكلاسيكية عن سؤال الاستمرارية الحضارية، وأميركا في لحظة تأسيسها عن سؤال الحرية الفردية. أما الدول التي تنسى سؤالها التأسيسي فتتحول إلى مجرد إدارة تسيّر الأمور، حتى يأتي يومٌ لا تجد فيه ما تُسيّره.

في الشرق الأوسط، لا يكفي أن تولد الدولة كي تستمر، ولا تكفي القوة المجردة لضمان حضورها؛ فهذه المنطقة ليست جغرافيا عادية، بل ساحةٌ مفتوحة على التحولات والصراعات والتوازنات المتشابكة. وقد امتلكت دول كثيرة عناصر القوة العسكرية والاقتصادية، غير أنها تعثّرت حين انشغلت نخبها بالمصالح الضيقة على حساب الفكرة الكبرى للدولة؛ فحين تُستبدل الكفاءة بشبكات النفوذ يبدأ التآكل البطيء الذي يضرب جوهر مؤسسات الدولة، حتى وإن ظلت هياكلها الخارجية قائمة.

ومن أبلغ التجارب التي تختزل هذه الحقيقة، مملكتا الأنباط والغساسنة؛ نموذجان عربيان مبكران في فهم الجغرافيا السياسية وإدارة الندرة وبناء الدولة وسط بيئة قاسية. فالأنباط لم يبنوا مملكتهم على الوفرة، بل على عبقرية الإدارة وحسن استثمار الموقع والإنسان، فتحوّلت البتراء إلى نموذج خالد لدولة أدركت أن التنظيم والمعرفة والانفتاح الاقتصادي هي أدوات القوة الحقيقية والأكثر استدامة. بيد أن مملكتهم بدأت بفقدان توازنها حين انشغلت نخبها بحماية الامتيازات أكثر من صون الفكرة التي قامت عليها، فذابت في جوف الإمبراطورية الرومانية. وبذلك يغدو التاريخ النبطي درسًا خالدًا، أن قوة الدول لا تُقاس بحجم الثروة وحدها، بل بقدرتها على الحفاظ على عقل الدولة وروحها، لأن سقوط المعنى يسبق دائمًا سقوط الجدران.

أما الغساسنة فلم يكونوا مجرد قبائل استوطنت بلاد الشام، بل كانوا مشروعًا عربيًا مبكرًا أدرك خطورة الموقع الجيوسياسي وثمن الوقوع في مركز الصراع بين الإمبراطوريات، وفهم أن البقاء لا يتحقق بالسيف وحده، بل ببناء التحالفات وإدارة التوازنات وصياغة هوية سياسية وثقافية متينة تحمي الداخل وسط عواصف الخارج. وحين نقارن المساريْن، نجد أن الأنباط اختاروا العمق الاقتصادي، والغساسنة اختاروا الانخراط في السياسة الكبرى؛ وكلا المسارين ينطوي على حكمة، وكلاهما انتهى بالذوبان في إمبراطورية أكبر. الفارق أن الأنباط تركوا البتراء، والغساسنة تركوا ذاكرة الدبلوماسية. والسؤال الذي يرثه الأردن من كليهما: كيف تبني دولة تملك عمق الأنباط الاقتصادي ومرونة الغساسنة السياسية دون أن تفقد نفسها في أيٍّ منهما؟

لم يولد الأردن من فائض القوة ولا من وفرة الموارد، بل وُلد من فائض الحكمة؛ من فكرة دولة أدركت قيادتها مبكرًا طبيعة هذه المنطقة وحدود الممكن فيها. فمنذ تأسيس المملكة الهاشمية، شكّل الهاشميون نموذجًا سياسيًا قائمًا على الاعتدال وبناء المؤسسة والاحتراف، لا على الشعارات الطائرة. ولهذا استطاع الأردن، وسط إقليم التهمت أزماته دولًا أكبر ثروةً وأضخم جيوشًا، أن يحافظ على توازنه واستمراريته؛ لأنه فهم أن قوة الدولة الحقيقية تكمن في إدارة التوازنات في الخارج، وصون فكرة الدولة ذاتها من التآكل الداخلي.

واليوم يواجه الأردن واحدةً من أعقد لحظاته في تاريخه الحديث؛ تحولات جيوسياسية إقليمية متسارعة، وتصاعد متوقع للتوترات في الأراضي الفلسطينية واللبنانية ومنطقة الخليج وغيرها، وضغوط اقتصادية متراكمة، وأزمات لجوء متجددة، وشح في المياه، ونقص في مصادر الطاقة، وثورة تكنولوجية تُعيد تشكيل العالم بسرعة لا سابق لها. ومع ذلك، تمتلك الدولة عناصر قوة نادرة؛ قيادة ذات شرعية راسخة، ومؤسسات أمنية وعسكرية محترفة، وإنسانا أردنيا أثبت عبر عقود قدرةً استثنائية على الصمود والتكيف، وإن كان يُستنزف اليوم أكثر مما ينبغي.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز القيادة الملكية بوصفها العامل الأكثر حسمًا؛ قيادةٌ تستشرف التحولات قبل وقوعها وتُعيد تموضع الأردن إستراتيجيًا قبل أن تفرض الأحداث شروطها. وحين أطلق الملك رسائله السبع ورؤيته للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، لم يكن يستجيب لضغوط اللحظة، بل كان يبني منظومة دولة قادرة على المنافسة في عالم مختلف جذريًا. ولعل ما يميّز القيادة الأردنية قدرتها على تحويل محدودية الموارد إلى نفوذ ناعم؛ فالأردن الذي لا يملك نفطًا يملك شيئًا أندر:.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 16 ساعة
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
خبرني منذ 7 ساعات
قناة رؤيا منذ ساعة
قناة رؤيا منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 15 ساعة
خبرني منذ 20 ساعة
خبرني منذ 17 ساعة