يقترب العراق من استكمال واحدة من أبرز خطوات إصلاح القطاع المالي، مع إعلان وصول خطة دمج المصارف المقيدة عن التعامل بالدولار إلى مراحلها النهائية، في خطوة تراهن عليها بغداد لتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، وتخفيف آثار القيود المفروضة على التحويلات الخارجية، وتهيئة القطاع المالي لمواءمة أكبر مع المعايير الدولية.
ويرى مسؤولون وخبراء تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن إعادة دمج هذه المصارف تمثل محطة مفصلية في مسار إصلاح القطاع المالي، لما قد تحمله من آثار إيجابية على كفاءة النظام المصرفي واستقرار الدينار وجاذبية الاستثمار، مع تأكيدهم أن تحقيق نتائجها الكاملة يظل مرهوناً باستمرار الإصلاحات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
ويضم القطاع المصرفي العراقي 83 مصرفاً، بواقع 8 مصارف حكومية و24 مصرفاً تجارياً و31 مصرفاً إسلامياً، إضافة إلى 17 فرعاً لمصارف أجنبية وثلاثة مكاتب تمثيلية. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت خلال السنوات الماضية قيوداً على ما لا يقل عن 14 مصرفاً عراقياً، في إطار إجراءات استهدفت الحد من وصول الأموال إلى إيران.
العراق ينظم مؤتمراً دولياً في بغداد لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية
دمج تدريجي ومنظم
تزامناً مع تسلّم محافظ البنك المركزي العراقي الجديد نزار ناصر منصبه، أشار البنك المركزي العراقي في بيان يوم 22 يونيو الجاري إلى استكمال الإجراءات والمتطلبات الخاصة بإعادة دمج عدد من المصارف المقيدة عن التعامل بالدولار في عمليات التحويل الخارجي بالعملات الأجنبية، بعد استيفائها متطلبات الإصلاح والمعايير الرقابية والفنية ذات الصلة، وتعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لديها.
وأضاف في بيان أن «هذا الملف بلغ مراحله النهائية تمهيداً لإعادة الدمج بصورة تدريجية ومنظمة، بما يعزز قدرة تلك المصارف على تقديم خدماتها لزبائنها وتوسيع علاقاتها المصرفية المراسلة مع المؤسسات المالية الخارجية وفق المعايير الدولية».
وكان المركزي العراقي أعلن في 2025 عن خطة لإصلاح القطاع المصرفي، بالتعاون مع شركة استشارية أميركية تتضمن 3 خيارات فقط أمام المصارف؛ إما الالتزام بالقواعد والمعايير الدولية، أو الاندماج مع بنوك أخرى، أو التخارج من القطاع في حال عدم القدرة على التقيّد بالمعايير والمتطلبات المطلوبة، وذلك بحسب تصريحات لمحافظ البنك المركزي العراقي السابق علي العلاق في 2025.
تهدف خطة البنك المركزي المعلنة في أبريل 2025، والتي تعدّ الأكبر منذ فرض القيود الأميركية على التعاملات المالية، إلى تعزيز حماية المودعين والدائنين وتحسين الثقة بالقطاع، وذلك بعد مصاعب واجهتها التحويلات الخارجية في ظل تشديد أميركي شمل إدراج 14 مصرفاً عراقياً على القائمة السوداء ومنعها من إجراء معاملات بالدولار، للاشتباه في استخدامها في غسل الأموال وتحويل أموال إلى إيران وسوريا.
في 22 مارس 2026، قال مدير قسم التحويلات في البنك المركزي، أحمد داود سلمان، لوكالة الأنباء العراقية، إن البنك المركزي مستمر بإجراءاته مع الشركات العالمية الخاصة بالتدقيق، من أجل تدقيق عملية التحويلات السابقة التي أدت الى حرمان بعض المصارف العراقية من الدولار أو أي مشاكل كانت تواجه المصارف العراقية التي أدى إلى حرمانها من التعامل بالدولار.
موظفون أمام مقر البنك المركزي العراقي في بغداد، العراق، 15 أغسطس 2023.
لحظة فارقة في مسار الإصلاح المالي
في حديث لـ«إرم بزنس»، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن «إعلان البنك المركزي العراقي استكمال إجراءات إعادة دمج بعض المصارف المقيّدة في التعامل بالدولار يمثل لحظة فارقة في مسار الإصلاح المالي».
هذه الخطوة بحسب صالح «ليست مجرد إجراء تقني، بل هي مؤشر على أن العراق بدأ يتجاوز مرحلة الحلول المؤقتة نحو بناء منظومة مصرفية قادرة على التفاعل مع النظام المالي العالمي وفق معايير الامتثال والشفافية».
يعتقد صالح أن «إعادة دمج المصارف يفتح الباب أمام تحولات جوهرية، أولًا، يعزز قدرة المصارف على تقديم خدمات مالية أكثر تنوعًا، ويمنحها فرصة لتوسيع علاقاتها مع البنوك المراسلة العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على تسهيل التجارة الخارجية والتحويلات المالية، ثانيًا، يسهم في استقطاب السيولة النقدية الكبيرة المتداولة خارج النظام المصرفي، وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، بما يرفع مستوى المنافسة ويحسن جودة الخدمات المقدمة للشركات والأفراد».
لكن الإصلاح المصرفي لا يمكن النظر إليه بمعزل عن البيئة السياسية والإقليمية، وفق صالح الذي سبق أن شغل منصب نائب رئيس البنك المركزي، مؤكداً أن «الثقة الدولية في التعامل مع العراق ترتبط بدرجة الاستقرار الجيوسياسي وأي تهدئة أو تفاهمات بين القوى الإقليمية والدولية ستنعكس إيجاباً على بيئة الأعمال والاستثمار، وتمنح المصارف العراقية فرصة أكبر لتوسيع نشاطها الخارجي».
أما على مستوى السياسة النقدية، فإن المستفيد الأكبر من هذه الإصلاحات هو «الدينار العراقي»، بحسب صالح، الذي أوضح أنه «كلما ارتفعت مستويات الامتثال والشفافية في التحويلات الخارجية، تراجع الطلب غير الحقيقي على الدولار، وانخفضت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق».
وأضاف أن «هذا التطور يعزز قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية بكفاءة أكبر، ويدعم استقرار العملة الوطنية. ومع ذلك، فإن هذه الإصلاحات لا تعني بالضرورة تغييرا فوريا في سعر الصرف، بل تمنح استقرارًا طويل الأمد ينعكس تدريجيًا على الاقتصاد».
وتضمن بيان البنك المركزي العراقي أيضا تمسكاً بمسار إصلاحاته المالية دون اللجوء لأي مساس بالعملة الوطنية، نافياً وجود أي توجه لتغيير سعر صرف الدينار العراقي، مع الأزمة الكبيرة التي لاحقتها جراء حرب إيران وتراجعات تدفقات النفط التي تضخ 90% من إيردادات البلاد.
وفي ديسمبر 2020، وفي خضم مواجهة كورونا، تم تخفيض قيمة الدينار العراقي رسمياً من 1200 دينار لكل دولار إلى 1450 ديناراً لكل دولار وبدأ التطبيق خلال 2021، ثم تم التعديل إلى 1300 دينار للدولار، من قبل مجلس الوزراء العراقي في فبراير 2023، فيما تتداول أنباء عن إمكانية وصوله إل 1600 قبل نفي البنك المركزي.
رويترز: العراق يلوّح بدراسة جميع الخيارات إذا لم ترفع «أوبك» حصته
انعكاسات مباشرة على الاستثمار الأجنبي المباشر
نبه المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح إلى أن «الأهم من ذلك أن الإصلاحات المصرفية تحمل انعكاسات مباشرة على الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ توفر بيئة مالية أكثر أماناً وشفافية، مما يشجع الشركات العالمية على الدخول إلى السوق العراقي. كما أن تسهيل عمليات التجارة الخارجية يعزز تنافسية الاقتصاد العراقي في الأسواق الإقليمية والدولية».
وعلى المستوى الداخلي، فإن هذه الإصلاحات تمنح القطاع الخاص المحلي أدوات تمويل أكثر كفاءة، وتفتح المجال أمام المصارف لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي. كذلك، فإن إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي يتيح للحكومة الاعتماد بشكل أكبر على المصارف المحلية في تمويل المشاريع الحكومية، بدلًا من الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي، بحسب صالح.
ويخلص المسؤول العراقي، إلى أن «العراق يقف اليوم أمام فرصة استراتيجية لتحويل القطاع المصرفي من نقطة ضعف هيكلية إلى رافعة للنمو والتنمية»، مؤكداً أن «نجاح هذا المسار يتطلب استمرار الإصلاحات المؤسسية، وتحسن البيئة الإقليمية، وتعزيز الثقة الدولية بالنظام المالي العراقي».
«وإذا تحقق ذلك، فإن المصارف العراقية ستكون قادرة على لعب دور محوري في تمويل النشاط الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص، وتمويل المشاريع الحكومية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني والدينار خلال السنوات المقبلة»، يختتم صالح حديثه لـ«إرم بزنس»، بتفاؤل.
العراق على حافة صدمة مالية.. هل تكفي أسعار النفط لتغطية الرواتب؟
تخفيف القيود على المصارف العراقية الأهلية
بالمقابل، يرى الخبير الاقتصادي العراقي، نبيل جبار التميمي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «مسار الاصلاح المصرفي يسير ببطء ويخضع لبرامج إصلاحية وضعت منذ سنتين وما زالت سارية».
ولفت إلى أن «البنك المركزي يحاول عبر هذا البيان استعراض نشاطه مع الإدارة الجديدة، وانتهز الفرصة لإعلان خجول عن بيان عدم نية المركزي تغيير قيمة العملة مرة أخرى».
ورغم تلك التحفظات، يعتقد التميمي أنه «من الممكن أن تساهم حالة الاستقرار الإقليمي أو التسوية بالمنطقة إن استمرت لتخفيف القيود على المصارف العراقية الأهلية التي واجهت العقوبات نتيجة التهم المتعلقة بغسيل الأموال أو تمويل العقوبات التي تعني تحويل الأموال إلى إيران من وجه النظر الأميركية».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

