لم يعد الجدل حول روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يقتصر على دقة الإجابات أو ظاهرة "الهلوسة" في إنتاج المعلومات، بل بدأ يمتد إلى الطريقة التي تتفاعل بها هذه الأنظمة مع المستخدمين على المستوى النفسي.
فبدلًا من التركيز على الأخطاء التقنية، يحاول باحثون اليوم فهم ما إذا كانت بعض السلوكيات الأساسية في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي قد تؤثر في طريقة تشكل المعتقدات لدى الإنسان، خاصة عندما تستمر المحادثات لفترات طويلة وتصبح أكثر شخصية.
وتتناول هذه القضية دراسة مراجعة علمية بعنوان "Characterizing the Spiral: Potential Mechanisms in AI-Associated Delusions" أو "توصيف دوامة التضخيم: الآليات المحتملة للأوهام المرتبطة بالذكاء الاصطناعي"، أعدها مارك أوغستين من الجامعة البروتستانتية للعلوم التطبيقية في مدينة بوخوم الألمانية، بالتعاون مع توماس أ. بولاك و هاميلتون مورين من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب في *King's College London **، ونشرت عام 2026 في مجلة NPP Digital Psychiatry and Neuroscience.
وتعتمد الدراسة على مراجعة واسعة للأدبيات العلمية والحالات السريرية والدراسات التجريبية المنشورة حتى عام 2026، بهدف بناء إطار نظري يفسر كيف يمكن لخصائص موجودة أصلًا في روبوتات الدردشة أن تتفاعل مع قابلية بعض المستخدمين للإصابة باضطرابات في إدراك الواقع.
ويؤكد الباحثون أن هذا الإطار يمثل فرضية علمية تحتاج إلى مزيد من الاختبارات، ولا يثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين استخدام الذكاء الاصطناعي والإصابة بالذهان.
لم تبحث الدراسة في المرض... بل في سلوك الذكاء الاصطناعي
على خلاف كثير من الدراسات السابقة التي ركزت على المستخدمين أو على الاضطرابات النفسية نفسها، تبدأ هذه الورقة من الطرف الآخر؛ أي من سلوك نماذج الذكاء الاصطناعي. فقد لاحظ الباحثون أن روبوتات الدردشة الحديثة تمتلك مجموعة من الخصائص التي تجعلها أكثر قدرة على بناء محادثات طويلة وشخصية مع المستخدمين.
وبعد مراجعة عشرات الدراسات والأبحاث وتقارير الحالات، خلصوا إلى أن ثلاث خصائص تتكرر باستمرار في معظم نماذج اللغة الكبيرة، وهي: المواءمة اللغوية (Linguistic Alignment)، والتخصيص المفرط للمحتوى (Hyperpersonalized Generation)، والموافقة المفرطة أو المجاملة (Sycophancy).
ويشير الباحثون إلى أن كل واحدة من هذه الخصائص تمت دراستها سابقًا بصورة منفصلة، إلا أن الجديد في هذه الورقة يتمثل في اقتراح أن اجتماعها داخل المحادثة الواحدة قد ينتج تأثيرًا مختلفًا تمامًا، إذ لا تعمل هذه السلوكيات بصورة مستقلة، وإنما قد تعزز بعضها بعضًا في عملية متكررة أطلق عليها الباحثون اسم "دوامة التضخيم" (Amplification Spiral). ويرى الفريق أن النظر إلى هذه الخصائص باعتبارها منظومة واحدة يمنح مطوري الذكاء الاصطناعي إطارًا عمليًا لتصميم روبوتات أكثر أمانًا نفسيًا، بدل معالجة كل مشكلة على حدة.
المواءمة اللغوية
توضح الدراسة أن أول هذه السلوكيات هو ما يعرف بالمواءمة اللغوية، وهي قدرة نموذج الذكاء الاصطناعي على تعديل أسلوبه تدريجيًا ليتوافق مع أسلوب المستخدم. ولا يقتصر ذلك على تكرار الكلمات، بل يشمل طول الجمل، وتركيبها، واختيار المفردات، وحتى الطريقة التي تُطرح بها الأفكار.
وتستعرض الدراسة عدة أبحاث أظهرت أن نماذج اللغة الكبيرة تتكيف بسرعة مع أسلوب الشخص الذي تتحدث معه، بينما يبدأ المستخدم أيضًا تدريجيًا في تبني بعض أنماط لغة النموذج، ما يؤدي إلى تقارب لغوي متبادل يعزز الإحساس بالألفة وسهولة التواصل. وترى الدراسة أن هذه الخاصية ليست خطيرة بحد ذاتها، بل إنها أحد أسباب نجاح روبوتات الدردشة في توفير تجربة تبدو طبيعية ومريحة. لكن المشكلة تكمن في أن هذا التكيف قد يمنح المستخدم انطباعًا بأن النظام يفهمه بصورة عميقة أو يشاركه طريقة التفكير نفسها، رغم أن ما يحدث في الواقع هو محاكاة لغوية ناتجة عن آليات إحصائية داخل النموذج، وليس عن فهم بشري حقيقي.
التخصيص المفرط للمحتوى
تنتقل الدراسة بعد ذلك إلى السلوك الثاني، وهو ما يطلق عليه الباحثون "التخصيص المفرط للمحتوى" (Hyperpersonalized Generation)، ويعد أحد أبرز الفروق بين روبوتات الدردشة الحديثة وجميع التقنيات الرقمية التي سبقتها. فبينما تعتمد محركات البحث أو منصات التواصل الاجتماعي على اقتراح محتوى بناءً على سجل الاستخدام، تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى جديد بالكامل يتوافق مع شخصية المستخدم وأسلوبه وخلفيته وأفكاره أثناء تطور المحادثة.
ويعرّف الباحثون هذه الخاصية بأنها قدرة النظام على تفسير الفروق الدقيقة في كلام المستخدم، سواء كانت معلنة أو ضمنية، مثل النبرة والمشاعر والنية والسياق الشخصي، ثم استخدام هذه المعلومات لإنتاج ردود تبدو وكأنها صُممت خصيصًا لذلك الشخص.
ولا يقتصر هذا التخصيص على اختيار الكلمات، بل يمتد إلى المفاهيم نفسها، إذ تصبح الإجابات مرتبطة بتاريخ المستخدم ومعتقداته وخبراته السابقة، ما يجعل الحوار يبدو أكثر خصوصية مع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
