مصر تدفع فاتورة الصراع في السودان

شهدت الأيام الماضية، حملة شبه منظمة على مصر، شنتها مجموعات سودانية، اتهمت فيها القاهرة بأنها قصفت مئات من المواطنين داخل الأراضي السودانية، كانوا يبحثون عن الذهب في الجبال الواقعة على الحدود بين البلدين، وهؤلاء يُسمون (الدَّهابة)، الكلمة التي أصبحت مرادفًا لكل من يبحث عن الذهب دون غطاء قانوني.. حيث تشكلت عصابات وجماعات داخل كل من مصر والسودان تعمل وسط الجبال، وتقوم بهذه المهمة التي تحقق مالًا وفيرًا لهم، ولمن يقفون خلف عملهم غير القانوني.

المُتابع الجيد يدرك أن تاريخ العلاقة بين مصر والسودان لا يخلو من منغصات، تراكمت عبر عقود.. ربما تكون القاعدة هي التوتر، والهدوء استثناء.. ما إن تستقر العلاقات على وتيرة إيجابية لفترة إلا وتلحقها نقيصة.. في الحالتين تلعب الأهداف السياسية دورًا في تفكيك أي بوادر للتلاحم الشعبي.. في زمن الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وبعده بقليل، لعب منتمون لجماعة الإخوان الإرهابية، دورًا مهما في توتير العلاقات مع القاهرة.. بعضها كان أقرب إلى المكايدة السياسية، بسبب خشونة النظام المصري، في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، في تعامله مع جماعة الإخوان، والتي ازدادت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.. البعض الآخر له علاقة بتوازنات القوى داخل النظام السوداني بعد الثورة على البشير، حيث جرت محاولات لجذب القادة الجدد بعيدًا عن القاهرة، خوفًا من البطش بالحركات الإرهابية، وفي مقدمتها الإخوان، أو (الكيزان) كما يطلق عليهم في السودان، والتي تضعهم القاهرة على لائحة الإرهاب.

هدأ الكيزان نسبيًا حيال القاهرة، بعد أن تغلغلوا داخل الجيش السوداني.. وجدوا أن من مصلحتهم عدم تصعيد الخصومة مع النظام المصري، الذي يعلم بالطبع خريطة تسللهم داخل الدولة وقبضهم على مفاتيح مهمة بالسودان.. في هذه اللحظة اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.. ووجد الكيزان خطورة في التعاون والتنسيق بين القاهرة والخرطوم في الملفات الأمنية، خصوصًا بعد انتقال الحكومة السودانية، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى بورتسودان بعد انقلاب ميليشيا الدعن السريع، بقيادة حميدتي على الجيش السوداني، ومجاولة الإطاحة بالبرهان، ثم عادت تدريجيًا إلى الخرطوم، عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها.. مما يعني، أن قوات الدعم السريع ليس من مصلحتها تطوير العلاقات الرسمية والشعبية بين مصر والسودان.. وكجزء كبير من الحملة التي تُشن على القاهرة، كان ملف تجاوزات بعض المقيمين، الذي وقف خلفه نشطاء قريبون ومستفيدون من حكومة (تأسيس) الموازية في السودان.. وهو ما يتكرر بشأن ملف (الدَّهابة) مؤخرًا.

عدد كبير ممن ساعدوا في تغذية الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الاستهداف المصري لـ (الدَّهابة)، كان هدفهم الإيحاء، بأن رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان (متواطؤ) على شعبه.. وهو من سمح للطيران المصري بالقصف داخل الأراضي السودانية، وبالتالي، يبدو ضعيفًا وهشًا وراضخًا لحسابات تاريخية سلبية تُضمرها القاهرة نحو بلدهم.. وترسيخ هذه السردية يخدم رؤية حكومة (تأسيس)، في المطالبة بسلطة مدنية، وخروج الجيش تمامًا من الحياة السياسية حفاظًا على مقدرات السودان.. كذلك، فإن الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى مصر، تفيد في إحراجها سودانيًا وإفريقيًا.. كي تظهر كأنها دولة (معتدية)، طامعة وطامحة في الاستيلاء على موارد السودان.. ويصب هذا الاتجاه في خانة محاولة عدم تكرار العمليات العسكرية على الحدود، سواء داخل السودان أو حتى داخل مصر، مما يسمح بحرية تنقل مجرمين يريدون ايقاع الضرر بمصر مستقبلًا، وجعل المنطقة الجغرافية الجنوبية رخوة أمنيًا، ومن السهل انتقال عناصر متطرفة من خلالها إلى العمق المصري.

القاهرة انتبهت إلى هذه الخطة، خصوصًا مع ظهور معلومات، قالت إن من أرادوا عبور الحدود تحت لافتة (الدُهابة) قُدِر عددهم بنحو مئة ألف شخص من جنسيات مختلفة، اندس وسطهم إرهابيون من غرب إفريقيا التي تعج بالمتطرفين المتأسلمين، بغرض التمركز في جنوب مصر، ومحاولة تكرار سيناريو سيناء الإرهابي في شرق البلاد، والذي تمكنت قوات الأمن المصرية من قطع الطريق على اكتماله، ومنعه من الوصول إلى هدفه في عزل منطقة سيناء عن باقي الأراضي المصرية.

لذلك، وبعد اشتعال الفضاء الإلكتروني بين مواطنين وسياسيين وباحثين وإعلاميين من البلدين، أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانًا، تحدث عن استهداف آلاف ممن يطلق عليهم (دهًّابة) داخل حدود البلاد، وبحوزتهم أموالًا طائلة.. وجدت أجهزة الأمن وسط هؤلاء تشكيلة متنوعة من المجرمين: إرهابيون ومهربو بشر ولاجئون وتجار مخدرات.. تم إلقاء القبض على المئات، وفي روايات أخرى (غير رسمية) آلاف.. وبدت العملية أكبر من مطاردة (دهَّابة) أو اعتداء على حدود السودان.. ولم تصدر حكومة الخرطوم بيانًا توضيحيًا للأمر، وهل هناك تنسيق مع نظيرتها في القاهرة أم لا؟.. لكن محسوبين ومؤيدين لحكومة (تأسيس)، ومقرها مدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور، وتقودها قوات الدعم السريع، استغلوا صورًا نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر هائمين في الصحراء، لا أحد يعلم متى وأين التُقِطت، وقيل إنها تؤكد أن الطيران المصري قصف مواطنين داخل الأراضي السودانية!!.

واتخذت هذه الصور ذريعة لتوجيه انتقادات واتهامات للحكومتين في الخرطوم والقاهرة.. وتم استغلال الدعم المصري الواضح للمؤسسة العسكرية في السودان، لتأكيد وجود شبهة تعاون من جانب الثانية، وجرى تسييس الموقف برمته.. إذ خرجت المطاردة المصرية لمجرمين على الحدود من مجال (الدَّهابة) إلى الاعتداء السافر على مواطنين سودانيين.. أخذت المسألة تكبر وتتدحرج مثل كرة الثلج، بما أزعج أطرافًا حريصة على أمن واستقرار السودان، وتسعى للحفاظ على علاقة جيدة بين البلدين.

لقد استخدم القصف الجوي ضد (الدَّهابة)، لأنهم كانوا طليعة لإرهابيين يريدون التمركز داخل بقعة جديدة في مصر.. يسعون إلى طرد شركات عالمية من الاستثمار في المعادن بجنوب البلاد.. والفوضى بيئة صالحة لعبور المتطرفين، واشاعة الخوف في عقول المستثمرين.. الأمر الذي انتبهت إليه القاهرة مبكرًا، وكان اللجوء إلى القسوة في التعامل مع هؤلاء تعبيرًا عن خطورة بالغة، إذا تمكنوا من الوصول إلى هدفهم النهائي.

ما حدث في جنوب مصر من قصف لما يطلق عليهم (دهَّابة) أكبر من قطع أرجل وأيادي من يعملون في هذا المجال.. إنما يرمي إلى الحفاظ على الهدوء على الحدود بلا مساس بسيادة السودان، وضمن خطة تتبناها قوات الأمن المصرية، شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، لتجفيف منابع الإرهابيين ومهربي البشر والمخدرات، والعاملين في مجال الهجرة غير الشرعية.. لذا، جاء اضفاء طابع سياسي على التحركات، بغرض تخريب العلاقات بين القاهرة والخرطوم، ضمن تقديرات تتعلق بالأزمة المحتدمة في السودان، خصوصًا لو علمنا أن ثمًّة تعاون استخباراتي يجرى الآن بين إسرائيل وحميدتي، الذي يتلقى دعمًا عسكريًا من تل أبيب عبر تشاد ومن خلال إثيوبيا.. وكذلك، موافقة الحكومة الإسرائيلية على تقنين أوضاع المهاجرين السودانيين إليها، شريطة انخراطهم في القتال ضمن صفوف الجيش الإسرائيلي.

*

لقد جاء بيان الجيش المصري كاشفًا حاسمًا.. إذ أوضح أنه قام بتنفيذ (حملة مُكبَّرة)، بالاشتراك مع قوات الشرطة، على حدود البلاد الجنوبية، ضد (بؤر إجرامية) اتهمها بممارسة أنشطة غير مشروعة، منها الاتجار بالمخدرات، والسلاح، والتنقيب غير المشروع عن الذهب، والهجرة غير الشرعية.. وأسفرت الحملة عن ضبط أكثر من مائتي عنصر، بينهم مائة وستة وثلاثون أجنبيًا.. وكان ناشطون قد تداولوا على مدى الأيام الماضية، مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر تسلل أفراد داخل حدود مصر الجنوبية مع السودان، وسط معلومات عن تنقيب غير مشروع عن الذهب في مصر، ومناشدات للسلطات المصرية باتخاذ اللازم حيال ذلك.

قال المتحدث العسكري للجيش المصري، في بيانه، إنه (في إطار المهام التي تقوم بها القوات المسلحة لحماية الأمن القومي، والحفاظ على المقدرات والمكتسبات الاقتصادية للوطن، قامت القوات المسلحة بالتعاون مع عناصر وزارة الداخلية، بتنفيذ حملة مُكبَّرة بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية، ضد عدد من البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية، لممارسة أنشطة غير مشروعة منها، الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح ـ التنقيب غير المشروع عن الذهب ـ الهجرة غير الشرعية، بما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، فضلًا عن تأثيراتها السلبية على الاستقرار الاقتصادي ومناخ الاستثمار وجهود التنمية المستدامة).

وأسفرت المداهمات، وفق بيان المتحدث، عن (ضبط عدد من الأفراد المتورطين في تلك الأنشطة غير المشروعة، من بينهم سبعة وثمانين مصريًا ومائة وستة وثلاثين أجنبيًا، وأربعة عشر عربة من طرازات متنوعة، وأجهزة اتصال لاسلكية، ومبالغ مالية بالجنيه المصري والعملات الأجنبية، بالإضافة إلى كميات من الأسلحة والذخائر غير المرخصة، ومصادرة أعداد كبيرة من المعدات والأجهزة المستخدمة في عمليات التنقيب العشوائي عن الثروات التعدينية، بالإضافة إلى ضبط عدد من العناصر المتسللة التي لا تحمل مستندات إقامة رسمية بالدولة).. وأوضح أنه تمت إحالة المقبوض عليهم والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة، لاتخاذ الإجراءات القانونية (وفق المواثيق الدولية ومعايير القانون الدولي الإنساني).

وبالتزامن مع بدء الحملة، أعلن المتحدث، قيام عدد من المتسللين بطرق غير شرعية إلى الأراضي المصرية بـ (تسليم أنفسهم للنقاط والتمركزات الأمنية، وتم ترحيلهم إلى بلادهم مع مراعاة احتياجاتهم الإنسانية كافّة).. وشدد البيان المصري على مواصلة قوات إنفاذ القانون (مهامها الميدانية المكثفة لتطهير البؤر الإجرامية، وملاحقة العناصر الخارجة عن القانون، في إطار جهودها المستمرة لتأمين حدود الدولة وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار).. كما أكد (احتفاظ الدولة المصرية بجميع الخيارات المتاحة للتعامل مع التهديدات كافّة، وامتلاكها القدرة على حماية أراضيها ومقدرات شعبها في ظل جميع الظروف).. وهو ما استوجب تحية وشكر وتقدير القوات المسلحة، لما كان (استجابة لنداء الشركات والعاملين في قطاع التعدين في مصر، في مواجهة إجرام عصابات التعدين العشوائي وفرض سلطة الدولة، وترحيل المعدنين الأجانب إلى خارج أرض الوطن).

*

قال وزير الخارجية، د. بدر عبد العاطي، مصر، في نوفمبر 2025، (تقسيم السودان خط أحمر، لن تسمح مصر لأحد بتجاوزه).. وقد عززت مصر الأمن على طول حدودها الجنوبية الغربية لمنع امتداد العنف والإرهاب إلى أراضيها في ظل احتدام الحرب الأهلية في السودان جنوب مصر.. وعندما سيطر مقاتلو الدعم السريع على المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، منتصف 2025، فأمَّنوا لأنفسهم طريقًا لنقل الأسلحة والمعدات الأخرى من قاعدة جوية مغلقة في منطقة الكفرة، قالت صحيفة (سودان تايمز)، إنه (يُقال إن هذه الشحنات تشمل ذخيرة وأسلحة خفيفة، وربما قطع غيار للمعدات المدرعة، وهي مؤنٌ بالغة الأهمية لجيش يستنزف موارده بسرعة في المعارك الدائرة.. وتدفق هذه الأسلحة لا يقوي شوكة فريق على الآخر فقط، ولكن يُطيل أمد الحرب عن طريق.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 9 ساعات
موقع صدى البلد منذ 10 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 10 ساعات
مصراوي منذ 10 ساعات
صحيفة الدستور المصرية منذ 10 ساعات
مصراوي منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 8 ساعات