مع انتهاء أعمال "مجموعة السبع" في مدينة إيفيان الفرنسية التي انطلقت في 15 يونيو (حزيران)، يدفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باتجاه ترسيخ اعتراف واسع بأن اختلالات التجارة المتصاعدة تمثل مشكلة اقتصادية عالمية. غير أن قادة المجموعة سيغضون على الأرجح الطرف عن أحد أبرز مصادر هذه الاختلالات: انخفاض قيمة عملات الاقتصادات الآسيوية الكبرى، لا سيما العملة الصينية.
إنه موقف يدعو إلى الأسف. ثمة إجماع متزايد على أن الفائض التجاري الآسيوي أصبح أكبر مما ينبغي. لكن من دون مناقشة مسألة انخفاض قيم العملات، لن تكون لدى مجموعة السبع فرصة تذكر لإطلاق جهد جدي يصب في تغيير السياسات التي أفرزت هذه الاختلالات. في عام 2021، عندما انفجرت فقاعة العقارات في الصين، سمحت بكين بإضعاف قيمة اليوان، ما ساعدها في اعتماد نموذج للنمو تشكل الصادرات قاطرته. وجعل انخفاض قيمة العملة السلع الصينية أرخص للمشترين الأجانب، بينما رفع أسعار السلع الأجنبية في داخل الصين. وأدى ضعف نمو الطلب المحلي، وتراجع قيمة العملة، والدعم الصناعي الواسع النطاق، إلى تضاعف الفائض التجاري الصيني الإجمالي ثلاث مرات منذ عام 2018. وعلاوة على ذلك، تمنح المصارف الحكومية الصينية وغيرها من المؤسسات المملوكة للدولة المصدرين الصينيين ميزة مصطنعة في الأسواق الخارجية من خلال إبقاء قيمة العملة الصينية منخفضة.
يشار إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفت إلى كبح آلة التصدير الصينية الجبارة. إلا أن النتائج لم تسر على هذا النحو. بدلاً من تجميع المكونات داخل الصين وشحن المنتجات النهائية مباشرة إلى الولايات المتحدة، باتت الصين تصدر السلع الوسيطة التي تكون في الأغلب مكونات تكنولوجية متقدمة إلى البلدان المجاورة لتجميعها في أشكالها النهائية هناك، فتلتف بذلك على الرسوم الجمركية الأميركية. ولكي تحافظ بلدان كثيرة مجاورة للصين على تنافسية صادراتها واستمرار التوظيف في قطاعاتها الصناعية، شعرت بأنها مضطرة إلى إبقاء عملاتها ضعيفة بدورها. في الواقع، باتت الآن عدة عملات آسيوية أخرى عند مستويات تاريخية متدنية في مقابل الدولار.
هذه الاختلالات المتنامية في التجارة العالمية تمثل مشكلة لأوروبا بقدر ما تمثل مشكلة للولايات المتحدة. تعد صناعات السيارات والكيماويات والصلب والآلات الصناعية الأوروبية في مقدمة الصناعة التي تواجه ما يعرف بالصدمة الصينية الثانية. ولهذا السبب جعل ماكرون من الاختلالات التجارية العالمية موضوعاً رئيساً في أجندة مجموعة السبع لهذا العام. لكن أوروبا، شأنها شأن الولايات المتحدة، لا تزال مترددة في جعل الدبلوماسية الساعية إلى معالجة مشكلة أسعار الصرف جزءاً أساسياً من النقاش التجاري الأوسع. وهذا التردد ليس إلا نقصاً في صنع كل من الأفكار والسياسات قد يجعل التنسيق الاقتصادي الدولي يبوء بالفشل. وما دام هذا التجاهل مستمراً، ستواصل الاختلالات التجارية التفاقم. وهذا وضع غير قابل للاستمرار. يتعين على مجموعة السبع أن تضع بكين أمام خيار واضح: إما السماح لعملتها بالارتفاع، أو مواجهة قيود تجارية جديدة.
متاعب تجارية
لا تنشأ عن الفوائض والعجوز التجارية الكبيرة توترات تجارية فحسب؛ هي تولد أيضاً مخاطر مالية. ولمعالجة هذه المشاكل، اتفق وزراء المالية في بلدان مجموعة السبع على إصدار بيان مقتضب يكاد لا يتجاوز التأكيد على "المصلحة المشتركة" التي تجمع بين الاقتصادات ذات الفوائض والاقتصادات ذات العجوز في خفض الاختلالات التجارية المزمنة. غير أنهم لم يضغطوا من أجل تغيير سياسة الصين الخاصة بسعر الصرف.
وعلاوة على ذلك، من غير المرجح أن يؤدي طلب مجموعة السبع من صندوق النقد الدولي إصدار تقرير جديد حول العوامل الكامنة وراء الاختلالات إلى إقناع بكين بالتخلي عن اعتمادها الحالي على الصادرات لتحقيق أهداف النمو التي لم يعد الطلب المحلي قادراً على تأمينها. لا تزال مراكز البحوث الصينية ووسائل الإعلام الرسمية والمسؤولون الحكوميون يعزون اتساع الفائض التجاري إلى الميزة النسبية التي تتمتع بها الصين في القطاعات الصناعية الجديدة.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة فقدت الاهتمام بجدول أعمال يستهدف خفضاً متزامناً للفوائض والعجوزات التجارية. فقد تلاشى حديث وزير الخزانة سكوت بيسنت في بداياته عن إعادة ترتيب اقتصادي عالمي شاملة، ليحل محله خطاب سياسي عام يعد بـ"استقرار استراتيجي بنّاء". وعلى الأرجح تفهم بكين ذلك على أنه مؤشر إلى أن واشنطن لن تطالب بتغييرات جوهرية في سياساتها الاقتصادية الراهنة. كما أن الطموح الأولي لخفض العجز المالي، الذي عاد ليتجاوز 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى نحو 3 في المئة، يبدو أنه تبخر. وبدلاً من ذلك، تحتفي الإدارة بارتفاع واردات السلع الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يرجح أن يدفع العجز التجاري الأميركي إلى مستويات أعلى.
في هذا السياق، برز انفصال غريب بين تشخيص المشاكل واقتراح الحلول. يدرك اقتصاديون من مختلف التوجهات الفكرية أن حجم الصين الهائل، وتطورها التكنولوجي، والفجوة المتسعة بين صادراتها المتنامية بسرعة ووارداتها الراكدة، كلها عوامل تطرح تحدياً عميقاً أمام القوى الصناعية الأخرى في العالم. وبالمثل، قلما يعترض أحد على أن الاعتماد على الصين في الحصول على المدخلات الحيوية يمثل نقطة ضعف استراتيجية واقتصادية مهمة. بل ثمة اعتراف متحفظ في واشنطن، وفي صندوق النقد وإن بدرجة أقل، بأن مزيج الدعم الحكومي المركزي والإعانات المقدمة من حكومات محلية متنافسة في الصين كان فعالاً في إتقان وتوسيع إنتاج التقنيات المتقدمة.
ومع ذلك، لا يتسع هذا الإجماع ليشمل الاعتراف بضرورة وقف العمل بالتخفيضات الحادة لقيم العملات، مع أن ذلك يمثل التغيير الوحيد على صعيد السياسات القادر مباشرة على إعادة التوازن إلى التجارة العالمية. يبدو أن صناع السياسات الاقتصادية الدولية يتجنبون بعناية أي التزام بالتنسيق الدولي في مجال الاقتصاد الكلي أو حتى مناقشة سياسات أسعار الصرف، متمسكين بفكرة مفادها بأن التعاون ينبغي أن يقتصر على قيام كل دولة بتطبيق أفضل ما تستطيع من سياسات نقدية ومالية عامة داخلية مناسبة.
العنصر المفقود
خلال السنوات الخمس الماضية، تبنت الحكومات والمؤسسات المالية الدولية رؤية تفيد بأن سياسات العملات التي تنتهجها أكبر اقتصادات العالم لا تترك أثراً حقيقياً أو دائماً......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية