سوق المكاتب الأميركي سيفقد 23.3 مليون قدم مربعة في عام. لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

تشهد أسواق المكاتب الكبرى تحولاً غير مسبوق، إذ من المتوقع خروج 23.3 مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية الأميركية خلال العام الحالي، في مؤشر يعكس تغيّراً جذرياً في معايير الجدوى الاستثمارية للعقار التجاري.

في بيئة أعمال ما بعد الجائحة، تضافرت ضغوط «العمل الهجين» مع قفزات أسعار الفائدة وتصاعد اشتراطات الاستدامة البيئية، لتضع ملاك العقارات التجارية أمام تحدٍ هيكلي؛ حيث أدت هذه العوامل إلى طفرة في حجم الإنفاق الرأسمالي المطلوب لتحديث الأبراج القديمة وتأهيلها رقمياً وبيئياً.

ومع تراجع الجدوى التشغيلية لهذه الأصول، بات التخلص من المبنى وإعادة توظيف الأرض أو تغيير استخداماتها الاستثمارية يحقق عائداً على رأس المال يفوق بمراحل جدوى استمراره بصورته الحالية.

يعكس هذا التوجه بداية حقبة جديدة في صناعة العقار التجاري، انتقل فيها ثقل المنافسة من «سباق الارتفاعات» وتشييد الأبراج، إلى إعادة تقييم جدوى المحافظ القائمة بناءً على قدرتها على توليد تدفقات نقدية مرنة تتجاوز تكلفة الاحتفاظ بها.

دفعة لسوق العقارات.. « إكسبو دبي» تتعاون مع بنك عملاق لتسهيل التمويل

جدوى العقارات التجارية كيف تغيرت معادلة الربحية؟

يمتد هذا التحول عبر أبرز المراكز العقارية العالمية؛ ففي مدينة دنفر الأميركية، يجري هدم مبنى مكاتب بمساحة 140 ألف قدم مربعة لإقامة مشروع سكني يضم 660 وحدة، بعدما أكدت دراسات الجدوى أن إعادة تطوير الأرض تحقق عائداً أعلى.

وفي المدينة نفسها، تقرر إزالة مقر شركة شُيّد قبل 24 عاماً فقط ورغم كفاءته الإنشائية، لأن القيمة الاستثمارية للأرض تجاوزت القيمة التشغيلية للمبنى، وهو ما اعتبرته مجلة «تي سي بي» (TCB) انعكاساً لتحول المستثمرين من تعظيم العائد على المبنى إلى تعظيم العائد على الأرض وإعادة توظيفها.

وفي مدن أميركية أخرى مثل نيويورك وواشنطن وسان فرانسيسكو، تتسارع وتيرة تحويل الأبراج المكتبية إلى استخدامات سكنية وفندقية لخفض فائض المعروض المكتبي. أما في أوروبا، فتتجه أسواق رئيسية مثل لندن نحو تركيز السيولة في الأبراج الحديثة عالية الجودة، مقابل تراجع حاد في جاذبية المباني القديمة التي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة للحفاظ على تنافسيتها.

وتظهر بيانات مؤسسة «سي بي آر إي» (CBRE) عمق هذا التحول؛ إذ من المتوقع خروج 23.3 مليون قدم مربعة من المساحات المكتبية في السوق الأميركي عبر الهدم أو تغيير الاستخدام، مقابل دخول 12.7 مليون قدم مربعة فقط من المعروض الجديد. ومن بين المساحات الخارجة، سيجري تحويل 12.8 مليون قدم مربعة إلى استخدامات بديلة، بينما ستُزال 10.5 مليون قدم مربعة بالكامل، وهي المرة الأولى تاريخياً التي يتجاوز فيها حجم المساحات الخارجة حجم المعروض الجديد منذ بدء رصد هذه المؤشرات.

منظر عام لمركز دبي المالي العالمي بين الأبراج الشاهقة، 23 يونيو 2019.

تكلفة تحديث الأبراج المكتبية مقابل عائدات التشغيل

لا ينفصل قرار الإزالة عن تغير هيكل التكاليف؛ فالمباني المكتبية التي يعود تاريخها إلى ثلاثة أو أربعة عقود مضت تحتاج اليوم إلى ضخ سيولة ضخمة لتحديث البنية الرقمية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، بالإضافة إلى تلبية «معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية» (ESG) التي تشترطها الشركات العالمية الكبرى كعنصر أساسي للاستئجار.

ومع الارتفاع الراهن في أسعار الفائدة وتكلفة التمويل، بات توجيه رأس المال نحو تحديث هذه المباني القديمة خياراً غير مجدٍ تجارياً مقارنة بإعادة توظيف الأموال في أصول جديدة أو مشاريع سكنية ومتعددة الاستخدامات تحقق معدلات ربحية أسرع وأعلى.

الاستثمار في العقارات الإدارية وهجرة السيولة نحو الجودة

رغم تسارع عمليات الهدم، فإن البيانات لا تشير إلى انسحاب رؤوس الأموال من قطاع المكاتب ككل، بقدر ما تشير إلى مرحلة «فرز للأصول». فقد سجل سوق المكاتب الأميركي خلال الربع الأول من عام 2026 صافي طلب إيجابي بلغ 6.9 مليون قدم مربعة، مع تراجع معدل الشغور إلى 18.6%، وسط توقعات (CBRE) بنمو حجم الاستثمار في القطاع بنسبة 20% خلال العام الحالي.

وفي سياق متصل، أكدت بيانات «جيه إل إل» (JLL) ارتفاع نشاط التأجير بنسبة 7.6% على أساس سنوي، ونمو صفقات بيع المباني المنفردة إلى 11.5 مليار دولار خلال الربع الأول، مما يثبت أن السيولة لا تغادر القطاع بل تتركز بشكل مكثف في «الأصول الفاخرة والأعلى جودة» (Prime Assets).

ويظهر هذا الفرز بوضوح في أوروبا؛ حيث أبرم بنك «باركليز» (Barclays) صفقة بقيمة 750 مليون جنيه إسترليني للاستحواذ على حق انتفاع لمدة 999 عاماً بمقره في برج «وان تشرشل بليس» (One Churchill Place) بمنطقة «كناري وارف» (Canary Wharf) في لندن، وهي أضخم صفقة مكاتب أوروبية منذ نحو أربع سنوات. وتؤكد الصفقة اتساع الفجوة السوقية بين الأبراج الممتازة التي تستقطب كبرى المؤسسات المالية، والمباني الأقدم التي تواجه ضغوطاً تشغيلية تدفعها نحو الهدم أو تحويل الاستخدام.

الصين تتفوق في ناطحات السحاب والإمارات تحتفظ بأطولها

سوق المكاتب في دبي.. نموذج عقاري يقوده النمو الاقتصادي

خلافاً للأسواق العالمية التي تعيد هيكلة مخزونها العقاري عبر الهدم، تتحرك دبي وفق دورة استثمارية مختلفة؛ حيث يقود النمو الاقتصادي المستدام وتوسع الأعمال طلباً حقيقياً على تطوير مساحات مكتبية جديدة، بدلاً من استبدال الأصول القائمة، مما يعكس تفوق الطلب على المعروض في «الفئات الممتازة» (Grade A).

ووفقاً لتقرير «سافيلز» (Savills)، ارتفع متوسط إيجارات المكاتب في دبي بنسبة 14% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026 ليصل إلى 238 درهماً للقدم المربعة، مع الحفاظ على معدلات إشغال قياسية مدفوعة بتأسيس مقار جديدة للشركات الدولية والإقليمية. ولتلبية هذا الطلب، يستعد السوق لاستقبال مليوني قدم مربعة من المساحات المكتبية الجديدة خلال العام الحالي كاستجابة مباشرة لنقص المعروض.

ويمتد هذا الزخم إلى نشاط بيع الأصول؛ حيث ترصد «نايت فرانك» (Knight Frank) ارتفاعاً في أسعار بيع المكاتب بالمناطق الحيوية في دبي بنسبة 29%، مدفوعة بقفزة بلغت 114% في الصفقات التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين درهم (تسجيل 167 صفقة).

ويدعم هذا التوسع انضمام أكثر من 71,830 شركة جديدة لـ«غرفة تجارة دبي» خلال عام 2025، حيث استحوذ قطاع العقارات وخدمات الأعمال على 37.6% منها، مما يثبت أن الطلب مرتبط بالنمو الكلي وجذب الاستثمارات الأجنبية، لا بإعادة تدوير المستأجرين الحاليين.

مستقبل ناطحات السحاب وإعادة تخصيص رأس المال العقاري

في المحصلة، تؤكد التحولات الراهنة أن قطاع المكاتب وناطحات السحاب لا يمر بأزمة وجودية بقدر ما يشهد عملية «غربلة» وتصحيح استثماري واسع النطاق. فالقيمة الحقيقية للأصل العقاري لم تعد تُقاس بمدى ارتفاعه في الأفق، بل بمدى كفاءة تدفقاته النقدية في موازنة تكاليف التشغيل والتمويل.

وعندما ترجح كفة التكاليف، لم يعد المستثمر يتردد في اعتبار «الهدم» أو إعادة التطوير أداة استثمارية نشطة لإعادة تخصيص رأس المال وتوجيهه نحو الاستخدام الأكثر ربحية في الدورة الاقتصادية الجديدة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 12 ساعة
منذ 57 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
مجلة رواد الأعمال منذ ساعتين