استوعب العالم بسهولة مدهشة فقدان أكثر من مليار برميل من إمدادات النفط منذ اندلاع حرب إيران، لكن مع استمرار تعذر تحقيق سلام طويل الأمد واستنفاد المخزونات، لا يزال يواجه خطراً يلوح في الأفق يتمثل في حدوث ارتفاع حاد للأسعار في المستقبل، كما أوردت وكالة «رويترز».
وأدى إغلاق طهران لمضيق هرمز إلى تأجيج المخاوف من حدوث أزمة طاقة عالمية كارثية.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تسبب الصراع الذي استمر أربعة أشهر في أعقاب ذلك في أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ. وفي أسوأ الحالات، بلغت الخسارة الإجمالية للإمدادات 14 مليون برميل يومياً.
لكن المخاوف من نفاد البنزين أو الديزل أو وقود الطائرات في آسيا وأوروبا لم تتحقق أبداً. وبعد أن بلغت أسعار خام برنت ذروتها عند حوالي 126 دولاراً للبرميل في أبريل، أي كانت لا تزال أقل بنحو 20 دولاراً عن الرقم القياسي المسجل في عام 2008، أصبحت الآن أقل مما كانت عليه عند بدء الصراع.
وقال جون بافيس كبير الاقتصاديين في البنك الدولي: «يشير هذا إلى أن المتعاملين اعتبروا الاضطراب خطيراً لكن يمكن التعامل معه، مما يعكس الثقة في أنظمة الطاقة والاقتصاد الحالية الأكثر مرونة».
«كثافة النفط» تتراجع بأكثر من النصف
عودة رأس تنورة.. هل تعافت إمدادات النفط الخليجية فعلاً؟
منذ أزمة النفط في السبعينيات، تظهر بيانات البنك الدولي أن كثافة النفط، وهي مقياس للدور الذي يلعبه النفط في النشاط الاقتصادي، انخفضت بأكثر من النصف في معظم الاقتصادات المتقدمة وبنحو 20% في البلدان الناشئة والنامية.
ومع ذلك، وبالإضافة إلى هذا التحول الهيكلي، كانت هناك ثلاثة عوامل محددة مسؤولة عن تجنب السيناريو الأسوأ خلال أزمة الخليج.
فقد وجدت السعودية والإمارات مسارات بديلة للتصدير. وقلصت آسيا بقيادة الصين مشترياتها. ومن المرجح أن تكون دول حول العالم قد سحبت حوالي مليار برميل نفط من احتياطياتها، بما في ذلك من خلال عملية سحب مخزونات قياسية بقيادة وكالة الطاقة الدولية.
تعديلات الصين تخفف الضغط العالمي
عندما اندلعت الحرب، كان لدى الصين ما يقرب من 1.4 مليار برميل من النفط المخزن، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. وكان ذلك يزيد على 1.2 مليار برميل تمتلكها جميع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية مجتمعة وعددها 32، بما في ذلك 413 مليون برميل تمتلكها الولايات المتحدة.
وقال إيليا بوشويف من معهد أكسفورد لدراسات الطاقة إن التبني السريع لاستخدام السيارات الكهربائية في الصين في السنوات القليلة الماضية، إلى جانب المرونة في إنتاج النفط والبتروكيماويات، ساعدا أيضاً.
آسيا تستعد لوفرة مفاجئة في النفط مع عودة الإمدادات من الخليج
وقال بوشويف، الرئيس السابق لقسم تداول المشتقات في «كوتش غلوبال بارتنرز»: «إنهم يديرون السوق بشكل أفضل بكثير مما كانت تفعله منظمة البلدان المصدرة للبترول في السابق».
وساعدت التعديلات التي أجرتها الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، في تخفيف ضغوط الطلب العالمي. كما أن خطة وكالة الطاقة الدولية لإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات وفرت متنفساً إضافياً في وقت كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصرح مراراً بأن نهاية الحرب باتت وشيكة.
وقال نيل أتكينسون، المسؤول السابق في وكالة الطاقة الدولية: «كان المتعاملون يرون دائماً أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر لفترة أطول».
وأشار محللو «سوسيتيه جنرال» إلى أن إدارة واشنطن لرواية تتحدث عن وصول المزيد من الإمدادات، جعلت صناديق التحوط مترددة في الاحتفاظ بمراكز شراء تراهن على ارتفاع الأسعار.
ومع توقيع اتفاق مبدئي الشهر الماضي لإنهاء الحرب، حدث تحول سريع نحو العودة إلى الوضع الطبيعي.
وقال أتكينسون: «يبدو أن السوق قررت أن اتفاق السلام هذا حقيقي».
نضوب المخزونات ينطوي على مخاطر
لكن في الواقع، تغير الكثير عما كان عليه قبل الحرب.
فحتى مع استئناف السعودية والكويت وقطر والعراق والبحرين للإنتاج والتصدير، ففي بعض الحالات ستحتاج هذه الدول إلى سنوات قبل أن تتمكن من إصلاح الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية للطاقة جراء الهجمات الإيرانية بشكل كامل.
إمدادات النفط السعودي للصين عند مستوى قياسي منخفض في يوليو
ورغم أن الأسعار قد تعكس توقعات بالعودة السريعة إلى مستويات العرض التي كانت سائدة قبل الحرب، فإن البيانات المتعلقة بحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز تروي قصة مختلفة وأكثر تشاؤماً.
وبينما تمضي أيام هدنة من 60 يوماً بين واشنطن وطهران نحو نهايتها، كان التقدم نحو التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الحرب بطيئاً بشكل مؤثر، إذ لا تزال القضايا الرئيسية، بما في ذلك مصير البرنامج النووي الإيراني، دون حل.
وفي الوقت نفسه، ثمة مهمة ضخمة تتمثل في إعادة بناء مخزونات النفط العالمية.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى تجاوز الاقتصاد العالمي هذه الصدمة من خلال سحب المخزونات بوتيرة قياسية، مما أدى إلى استنزاف احتياطياته التي تهدف لحمايته من أزمات الإمداد.
وقال بوشويف: «هذا لا يعني أننا لا نستطيع العمل بدونها، بل يعني فقط أن الأسعار الآجلة قد تكون أكثر عرضة للارتفاعات الحادة».
وهذا النوع من التقلب مكلف.
فكل زيادة قدرها خمسة دولارات في أسعار النفط تضيف ما يقارب 190 مليار دولار إلى التكاليف السنوية للاقتصاد العالمي، وذلك وفقاً لحسابات «رويترز» المستندة إلى طلب على النفط عند 104 ملايين برميل يومياً.
ومن المرجح أن تكون الحرب قد زادت من تكلفة تجديد مخزونات النفط، التي لم تكن رخيصة أبداً.
محللون يخفضون توقعات أسعار النفط في 2026 لأول مرة منذ حرب إيران
وقبل اندلاع الصراع، كان البنك المركزي الأوروبي قد قدر أسعار النفط في 2027-2028 بما يتراوح بين 63 و64 دولاراً للبرميل. وقد ارتفع هذا المتوسط الآن إلى ما بين 65 و75 دولاراً، وفقاً لتقرير صادر عن البنك المركزي الأوروبي في يونيو.
وبأسعار برنت الحالية، من المرجح أن تكلف عملية تعويض الاحتياطيات التي تم سحبها للتخفيف من خسارة الإمدادات الناجمة عن الحرب أكثر من 70 مليار دولار.
لكن إلى أن يتم ذلك، فإن العالم يعمل دون شبكة أمان في وضع لا يزال محفوفاً بالشكوك.
وقال سول كافونيك رئيس قسم الأبحاث في «إم إس تي ماركي»: «ربما تقلل الأسواق من شأن مخاطر حدوث مزيد من الاضطرابات في تدفق النفط... ستواصل إيران على الأرجح إيجاد ذرائع لعرقلة تدفق النفط عبر المضيق».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
