يشهد سوق الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من المنافسة، لم تعد تقتصر على تطوير النماذج الذكية، بل امتدت إلى مساعدة المؤسسات على توظيف هذه التقنيات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية. وفي هذا السياق، أعلنت شركة «مايكروسوفت» عن استثمار ضخم بقيمة 2.5 مليار دولار لإطلاق وحدة متخصصة تحمل اسم Microsoft Frontier Co.، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً نحو دعم العملاء في تنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل بيئات العمل.
«إنسبشن 42» و«مايكروسوفت» تتعاونان لتسريع حلول الذكاء الاصطناعي
وحدة جديدة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي
ستضم الوحدة الجديدة نحو 6,000 موظف سيتم توزيعهم للعمل بشكل مباشر مع العملاء وفق نموذج يعرف باسم الهندسة الميدانية، وهو أسلوب يعتمد على دمج فرق تقنية داخل المؤسسات لمساعدتها على تصميم وتنفيذ حلول ذكاء اصطناعي تتناسب مع احتياجاتها التشغيلية.
وسيترأس الوحدة رودريغو كيدي ليما، الذي كان يقود أعمال مايكروسوفت في آسيا، بينما ستضم فرق العمل مهندسي الهندسة الميدانية الحاليين، ومستشارين تقنيين، وفرق الدعم، بالإضافة إلى موظفي المبيعات ذوي الخبرة في قطاعات صناعية مختلفة.
منافسة متصاعدة بين عمالقة التكنولوجيا
جاء إعلان «مايكروسوفت» بعد يومين فقط من إعلان أمازون تخصيص مليار دولار لإطلاق مبادرة مماثلة لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي سريعة التنفيذ. كما أن شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» أنشأتا خلال مايو الماضي فرقاً متخصصة في الهندسة الميدانية، بالتعاون مع شركات استثمار مباشر وبنوك وشركات استشارية.
ويؤكد هذا التوجه أن المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على إنتاج نماذج لغوية أكثر تطوراً، وإنما أصبحت تركز أيضاً على توفير الخبرات البشرية اللازمة لدمج هذه النماذج داخل المؤسسات وتحقيق أقصى استفادة منها.
شعار «مايكروسوفت» في لوس أنجلوس، كاليفورنيا، 14 يونيو 2016
استثمارات ضخمة وتحديات في تحقيق الانتشار
استثمرت «مايكروسوفت»، إلى جانب شركات التكنولوجيا الكبرى، عشرات المليارات من الدولارات في بناء مراكز بيانات مخصصة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما طرحت الشركة مجموعة واسعة من الخدمات والمنتجات القائمة على الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه الاستثمارات، لا تزال بعض منتجات الشركة تواجه تحديات في تحقيق انتشار واسع. فعلى سبيل المثال، لم ينجح مساعد مايكروسوفت 365 كوبايلوت حتى الآن في أن يصبح أداة أساسية داخل قطاع الأعمال، كما فقد GitHub Copilot جزءاً من حصته السوقية لصالح منافسين أحدث.
وتعكس هذه النتائج أن النجاح في مجال الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا، بل يتطلب أيضاً توفير حلول عملية تتوافق مع احتياجات المؤسسات المختلفة.
تراجع السهم ومخاوف المستثمرين
تزامنت هذه الخطوة مع تراجع سهم «مايكروسوفت» بنسبة 21% منذ بداية العام، وهو الأداء الأضعف بين كبرى شركات التكنولوجيا ذات القيمة السوقية الضخمة.
ويرجع جزء من قلق المستثمرين إلى المخاوف من أن تؤدي نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة البرمجيات بسرعة وكفاءة إلى إحداث تغييرات جذرية في قطاع البرمجيات التقليدي، الأمر الذي قد يؤثر على نماذج الأعمال الراسخة لدى العديد من الشركات.
العملاء في مراحل مختلفة من رحلة الذكاء الاصطناعي
أوضح جودسون ألثوف، الرئيس التنفيذي للأعمال التجارية في «مايكروسوفت»، أن إنشاء الوحدة الجديدة جاء نتيجة إدراك الشركة أن المؤسسات لا تزال في مراحل متفاوتة من فهم الذكاء الاصطناعي وتطبيقه.
وأشار إلى أن العملاء يواجهون أسئلة استراتيجية عديدة، مثل اختيار النموذج الأنسب، سواء من «أوبن إيه آي» أو«أنثروبيك» أو غيرهما، إضافة إلى كيفية دمج الذكاء الاصطناعي داخل العمليات التشغيلية الحالية بدلاً من التعامل معه باعتباره مجرد تقنية جديدة.
مساهمو «مايكروسوفت» يتهمون الشركة بالاحتيال والتضليل بشأن وحدة «أزور»
الاستفادة من خبرة «بالانتير»
أشار ألثوف إلى أن شركة «بالانتير» كانت من أوائل الشركات التي رسخت مفهوم «الهندسة الميدانية»، مستفيدة من خبرتها في دعم الجيش الأميركي، حيث أرسلت مهندسين للعمل ميدانياً في قواعد عسكرية داخل أفغانستان لتطبيق حلولها البرمجية.
وأكد أن «مايكروسوفت» تمتلك مزايا إضافية تتمثل في دعم عدد أكبر من نماذج الذكاء الاصطناعي، وإتاحة مزيد من وسائل الربط مع مصادر البيانات، إلى جانب تكاملها مع الأنظمة المفتوحة المستخدمة داخل المؤسسات.
استراتيجية قائمة على بناء منصات ذكاء آمنة
ورغم أن «مايكروسوفت» تقدم منذ سنوات خدمات الدعم والتنفيذ لعملائها، والتي حققت إيرادات بلغت نحو 2.1 مليار دولار خلال الربع المنتهي في مارس بزيادة 2.5% على أساس سنوي، فإن الشركة ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب نهجاً أكثر تنظيماً.
ويؤكد ألثوف أن أفضل النتائج تتحقق عندما تعمل «مايكروسوفت» مع العملاء بصورة منهجية لبناء منصات ذكاء اصطناعي تحافظ على الملكية الفكرية للمؤسسات، وفي الوقت نفسه تمنحها المرونة للاستفادة من أي نموذج متاح ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي المتنامية.
تكشف مبادرة (Microsoft Frontier Co) عن تحول واضح في استراتيجية شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث أصبحت القدرة على تنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات تمثل عاملاً تنافسياً لا يقل أهمية عن تطوير النماذج نفسها. وإذا نجحت مايكروسوفت في تحويل خبراتها التقنية إلى تطبيقات عملية تلبي احتياجات العملاء، فقد تعزز مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على حلول تجمع بين الابتكار والأمان وسهولة الدمج مع بيئات العمل المختلفة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

