كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم

مصدر الصورة: Peter Komolafe

كان بيتر كومولافي في الثامنة عشرة حين وجد نفسه في المملكة المتحدة، بعد إرساله إليها من نيجيريا، مفلساً وتائهاً وبلا مأوى. لم يكن يملك ما يعينه على بناء الحياة التي كان والداه يأملانها له، وكان عليه أن يبدأ من جديد، مرة أخرى.

ومن شاب لا يملك مالاً، أصبح لاحقاً أحد أبرز الأصوات في مجال المشورة المالية، واسماً مرموقاً في الكتابة والحديث العام عن المال وإدارته.

ولد كومولافي في إنجلترا عام 1979 لأبوين نيجيريين قدما إليها للدراسة والعمل ودعم أسرتهما في الوطن. ونشر والداه إعلاناً في صحيفة بحثاً عن أسرة بريطانية حاضنة تتولى تربيته.

وكان ذلك ترتيباً خاصاً وغير رسمي، شائعاً في ذلك الوقت، ويشار إليه أحياناً بتعبير "فارمينغ"، أي إيداع الأطفال لدى أسر أخرى لتنشئتهم.

وكان كومولافي في شهره الثالث فقط حين تولت رعايته أسرة ساوندرز، وهي أسرة لزوجين أبيضين في مدينة هاستينغز الساحلية، في جنوب شرقي إنجلترا.

يقول كومولافي: "كنت محظوظاً جداً بأن انتهى بي المطاف لدى أسرة ساوندرز".

لكن المدرسة لم تكن سهلة. فقد كان طفلاً أسود في منطقة يغلب عليها السكان البيض، ما جعله عرضة لألقاب عنصرية، وهتافات تقلد أصوات القردة، وتنمر متكرر. وكان كثيراً ما يبكي في طريق عودته إلى المنزل.

اشتكى والداه الحاضنان إلى المدرسة، لكن شيئاً لم يتغير. وفي النهاية، طلب منه والده الحاضن أن يدافع عن نفسه، ففعل.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "توقف الأمر تماماً. لم ينظر إليّ ذلك الفتى مرة أخرى".

كان كومولافي يمضي بضعة أسابيع كل صيف مع والديه البيولوجيين قبل أن يعود إلى هاستينغز، لكنه كان يخشى تلك الزيارات في الواقع. فقد كانت تقطع روتينه، وتبعده عن أصدقائه، وتأخذه إلى مكان لا يشعر فيه بأنه في بيته.

ثم تغير كل شيء في أحد فصول الصيف، عندما كان في الثامنة من عمره. فقد كان والداه قد عادا إلى نيجيريا، فأرسلاه على متن طائرة إليهما.

كانت تلك أول رحلة جوية في حياته. وكان يحلم دائماً بأن يصبح طياراً، إذ أسرَته منذ طفولته فكرة رؤية العالم من السماء.

وأضاف كومولافي: "كنت متحمساً جداً لمجرد أنني سأركب طائرة للمرة الأولى".

بلدٌ غريب لا يزال يتذكر لحظة هبوطه في مطار لاغوس، حين استقبله جدار من الضجيج والفوضى. في ذلك الوقت، لم يكن كومولافي يتحدث سوى الإنجليزية، ولم يكن يفهم كلمة واحدة من اليوروبا، لغة عائلته الممتدة.

اصطحبته والدته، ومضت به ساعات في سيارة عبر طرق مظلمة، إلى مكان لا يعرفه.

غلبه النوم. وفي صباح اليوم التالي، استيقظ ليجد نفسه محاطاً بأقارب يريدون التعرف إليه. وبسبب اختلاف مظهره عنهم، صار محط الأنظار. كانوا يطلبون منه أن يتحدث ليسمعوا لكنته البريطانية.

ويتذكر كومولافي قائلاً: "كان الأمر مرهقاً في الحقيقة، كأنه حدث قائم بذاته. شعرت كأنني عامل الجذب الرئيسي. وأنا كنت قد استيقظت للتو، أتساءل: أين أنا؟ ومن هؤلاء الناس؟"

ظل يعد الأيام، معتقداً أنها رحلة لن تستمر أكثر من أسبوعين. وفي أحد الصباحات، حزم حقيبته بحماس، ودخل إلى غرفة الجلوس وسأل: "متى سنذهب إلى المطار؟ وفي أي وقت تقلع الطائرة؟"

ضحكت والدته. ثم قيل له إنه سيبقى هناك من الآن فصاعداً.

ويقول: "كان هناك شعور بخيبة الأمل، وباليأس، وبغضب كبير. كان هناك أيضاً شعور بأنني عالق. عندما تكون في الثامنة، لا تكون لديك خيارات حقيقية".

أغلق على نفسه باب إحدى الغرف، ورفض التحدث إلى أي شخص.

وفي تحد صامت، رفض أن يتحدث اليوروبا. تعلمها في المدرسة وأتقنها، لكنه لم يخبر عائلته بذلك قط. كان لا يرد إلا إذا خاطبوه بالإنجليزية.

ويقول: "كانت تلك طريقتي الوحيدة لأجعلهم يعرفون أنني لم أكن سعيداً بوجودي هناك".

كانت السنوات الأولى قاسية. تعرض للتنمر لأنه مختلف، ولأنه يتحدث بلكنة بريطانية. تأقلم ببطء، لكنه لم يتخلص أبداً من شعوره بأن ذلك المكان لا يشبه بيته.

وخلال ذلك كله، كان كومولافي يحمل معه قلم حبر، وقلم رصاص، وأوراقاً أينما ذهب. كتب القصص، ودوّن يومياته، ثم بدأ لاحقاً، وهو في الخامسة عشرة، بكتابة إعلانات لمنظمة اليونيسف.

ويقول: "ربما لأنني لم أكن أحب المكان الذي كنت فيه، كان من الأسهل أن أتخيل أماكن أخرى".

لم تكن المنطقة التي عاش فيها مزودة بمياه جارية أو كهرباء، وكان الطعام شحيحاً. ويقول كومولافي: "منذ سن مبكرة جداً، قيل لي إنك إن أردت الخروج من وضع سيئ، فمسؤولية إصلاح ذلك تقع عليك".

وخلال ذلك كله، كان يستلقي مستيقظاً في الليل، يراقب الطائرات تعبر السماء فوقه، مدركاً أن عليه أن يكون على متن إحداها.

بضعة جنيهات وعنوان بعد انتهاء المرحلة الثانوية، اقتنع والداه بأنه لم يتأقلم تماماً مع الحياة في نيجيريا، فادخرا المال لإعادته إلى لندن.

كان رحيله مفاجئاً. إذ طلب منه والده أن يستعد للسفر خلال نحو أسبوع، ثم قيل له بعد ثلاثة أيام فقط: "ستغادر بعد أربع ساعات، احزم حقائبك".

جمع كومولافي ما استطاع حمله، وتوجه إلى المطار. لم يكن في جيبه سوى 67 دولاراً، أي نحو 50 جنيهاً استرلينياً، ومعه عنوان منزل أسرته الحاضنة القديمة، التي لم يكن قد تواصل معها منذ عشر سنوات، ولم تكن تعلم أن بيتر أمضى عقداً كاملاً في نيجيريا.

في الثامنة عشرة،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 51 دقيقة
منذ 9 ساعات
منذ 5 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 10 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 8 ساعات
بي بي سي عربي منذ 13 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 15 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 9 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 11 ساعة