ومن هنا تتكرر موجات التصعيد والتهدئة ضمن سقوف محسوبة تمنع الانفجار الشامل، لكنها تُبقي المنطقة في حالة استنزاف مستمر.
وفي هذا الإطار يمكن فهم التفاعلات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل بوصفها منظومة معقدة من الردع المتبادل وإدارة الأزمات وتبادل الرسائل الاستراتيجية، أكثر من كونها حربًا تقليدية تستهدف الإلغاء الكامل لأي طرف.
فكل طرف يمتلك قدرة مؤثرة على الإيذاء، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الحرب الشاملة ستفرض أثمانًا باهظة تتجاوز حدود المكاسب السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل إدارة الصراع أحيانًا أكثر حضورًا من السعي إلى حسمه.
وتتجسد أدوات هذا النمط في الضربات المحدودة، والحروب بالوكالة، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط المالية، والتفوق التقني، والاختراقات الاستخباراتية، بما يجعل الصراع شبكة متداخلة من أدوات النفوذ لا مواجهة عسكرية واحدة.
ولذلك تحولت دول الشرق الأوسط إلى ساحات تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، بينما تتحمل شعوبها كلفة ارتفاع الإنفاق العسكري، واضطراب الاستثمار، وتذبذب أسواق الطاقة، وتراجع فرص التنمية والاستقرار.
وهنا تبرز السياسة الشرعية إطارًا حاكمًا لفهم هذه التحولات؛ إذ تقوم الولاية في الإسلام على تحقيق المصالح العامة ودرء المفاسد، وصيانة الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهي المقاصد الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها. ولذلك لم تجعل الشريعة القوة غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الأمن والعدل والاستقرار.
وقد قرر الفقهاء أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الضرر يزال، وأن المشقة تجلب التيسير، وهي قواعد تحكم صناعة القرار العام في السلم والحرب. ويقرر الماوردي:
أن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وهو تعريف يربط بين الأمن والاستقرار وتحقيق مصالح الأمة.
كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية:
أن الولاية إنما شُرعت لجلب المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
ويؤكد العز بن عبد السلام:
أن الشريعة كلها مصالح، إما درء لمفسدة أو جلب لمنفعة، بينما يقرر الإمام الشاطبي:
أن اعتبار المآلات أصل عظيم من أصول الاجتهاد، فلا يُنظر إلى القرار السياسي من زاوية المكسب الآني، وإنما من جهة ما يفضي إليه من آثار على الأمة.
كما يؤكد ابن القيم:
أن الشريعة مبناها على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
