رغم أن مواجهة الجماعات المسلحة في بوركينا فاسو تُقرأ غالباً من زاوية العمليات العسكرية، واستعادة المناطق، وتعزيز قدرات الجيش، فإن تحركات رئيس المرحلة الانتقالية، إبراهيم تراوري، تكشف عن تحول أكثر عمقاً في فهم طبيعة التهديد ذاته. فالتطرف لا يبدأ حين يحمل الفرد السلاح، بل قبل ذلك، حين يتشكل وعيه داخل خطاب يبرر العنف، ويمنحه غطاءً دينياً، ويعيد تقديم الدولة والمجتمع بوصفهما خصمين للعقيدة. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن فعلاً هزيمة الجماعات المتطرفة في الميدان، إذا بقيت الأفكار التي تغذيها تتحرك بحرية داخل المجتمع؟ وهل تكفي المعالجة الأمنية، إذا ظلّت المنابع الفكرية والاجتماعية للتطرف بلا تنظيم؟
من هذا المنظور، لا تبدو تصريحات تراوري بشأن «الإسلام الراديكالي» مجرد لهجة سياسية متشددة، بل تعكس محاولة لنقل المواجهة من رد الفعل إلى الوقاية. فحين تعلن الدولة أنها ستعلق عمل الأئمة الذين يستخدمون المنابر لنشر خطاب متطرف، وتدعم في المقابل من يروجون خطاباً دينياً سلمياً ومسؤولاً، فإنها لا تستهدف الدين، بل تحاول استعادة المجال الديني من الجهات التي تسعى إلى احتكاره وتوظيفه في التجنيد والتحريض. فما الذي يجعل محاربة التطرف عبر الخطاب أقل مشروعية من محاربته عبر السلاح؟ ولماذا يُنظر إلى تدخل الدولة بعد وقوع العنف بوصفه ضرورة، بينما يُنظر إلى تدخلها قبل وقوعه بوصفه تضييقاً؟
تكتسب هذه المقاربة أهميتها من واقع بوركينا فاسو، التي تواجه منذ سنوات جماعات مرتبطة ب«القاعدة» و«داعش»، استطاعت التمدد ليس فقط بفعل ضعف الحضور الأمني، بل أيضاً عبر استغلال التهميش، والفقر، وتراجع الخدمات، والاستقطاب السياسي، وتقديم العنف في صورة دينية تمنحه شرعية زائفة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الإمام، والمدرسة الدينية، ومصدر التمويل، وبرنامج الدراسة في الخارج، عناصر لا يمكن فصلها عن معادلة الأمن الوطني.
ويأتي قانون الحريات الدينية، الذي أقره البرلمان الانتقالي، ضمن هذا التصور الأوسع. فالقانون لا يقتصر على ضبط الشعائر، بل يتناول ممارسات مثل التسول القسري للأطفال، وغياب الشفافية المالية داخل بعض المؤسسات الدينية، واستخدام الدين بصورة تهدد النظام العام. وهذه الإجراءات، رغم ما أثارته من جدل، تعيد طرح سؤال ظل مؤجلاً: أين تنتهي حرية الممارسة الدينية، وأين تبدأ مسؤولية الدولة في حماية المجتمع من الاستغلال والتحريض؟ فالحرية لا تعني ترك المؤسسات خارج أي رقابة، كما أن حماية الدين لا تعني حماية كل ممارسة تُرتكب باسمه.
أما قرار إعادة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
