هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام بابٍ مغلق، فيقسم أن العالم كله قد أغلق أبوابه، ثم تمضي الأيام لتصفعه الحقيقة بلطفٍ مؤلم: لم تكن المشكلة في الأبواب، بل في قصر نظره. فنحن نحصي الأسباب، والله يخلق الأسباب، نحن نرى المشهد من ثقب الإبرة، والله سبحانه يدبر الأمر كله بعلمه وحكمته ولطفه. وما أكثر الذين أعلنوا هزيمة الحياة، فإذا بلطف الله يأتيهم من طريقٍ لم يخطر لهم على بال، فيكتشفون متأخرين أن اليأس لم يكن إلا سوء تقدير بشري، وأن الرجاء بالله كان هو الحقيقة الوحيدة التي لم تتغير قط. لذلك كانت الآية العظيمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ليست وعدًا عابرًا، بل إعلان إلهي يهدم غرور الحسابات البشرية، ويقيم مكانه يقينًا لا يتزعزع بأن الله وحده هو الذي تأتي منه الفتوح، وتنكشف به الكروب، وتُرد به الضالة، ويُساق به الرزق، وتطمئن به القلوب. إنها آية تُعيد ترتيب القلب قبل أن تُعيد ترتيب الحياة، وتعلّم المؤمن أن يثق بالله أكثر مما يثق في كل ما تراه عيناه.
ما أعجب الإنسان... يظن أن الأبواب إذا أغلقت انتهت الحكاية، وأن الرزق إذا تأخر فقد الطريق، وأن الدعاء إذا طال انتظاره فقد أثره، بينما الحقيقة التي تتكرر منذ خلق الله آدم إلى يومنا هذا، أن الله سبحانه وتعالى لا ينسى أحدًا، ولا يغيب عنه أحد، ولا يضيع عنده رجاء صادق، ولا تنهزم أمام قدرته الأسباب.
تتردد في القلب الآية العظيمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، فتختصر رحلة العمر كلها. ليست مجرد كلمات تُتلى، بل دستور طمأنينة، ورسالة سماوية تقول لكل قلب أثقلته الحياة: إن ما تبحث عنه ليس بعيدًا عن علم الله، ولا خارجًا عن لطفه، ولا مستحيلًا على قدرته.
نحن - معشر البشر - نملك هواية غريبة؛ نعشق استعجال النهاية. إذا تأخر الرزق قلنا: انتهى الأمر. وإذا تأخر الشفاء ظننا أن الألم صار وطنًا. وإذا ابتعد شخص أحببناه حسبنا أن كل الطرق قد انقطعت. ثم تأتي الأيام لتضحك في وجوهنا ساخرة من قصر نظرنا، وكأنها تقول: لو رأيتم ما يدبره الله لكم لاستحييتم من خوفكم كله.
ولعل السخرية الأجمل أن الإنسان يحاول أحيانًا أن يكون مديرًا للكون! يريد أن يحدد الموعد، والطريقة، والنتيجة، ثم إذا لم تجرِ الحياة وفق جدوله الزمني أعلن حالة الطوارئ في قلبه، وكأن مشيئة الله ينبغي أن تنتظر موافقته. وما أكثر ما يرهقنا هذا الوهم، بينما الراحة كلها في التسليم لله وحده، والثقة بحكمته، واليقين بأن لطفه يعمل بصمت، حتى إذا جاءت النعمة قال الناس: من أين جاءت؟ ويقول المؤمن: جاءت من الله... وهذا يكفيني.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. إنها ليست معادلة اقتصادية، بل وعد من رب العالمين، ووعد الله حق. وقد قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا». كلمات لو استقرت في القلب لتحول القلق إلى دعاء، والخوف إلى يقين، والانتظار إلى عبادة.
ويُروى أن الإمام أحمد بن حنبل،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
