عزيزة علي عمان صدر عن دار دجلة ناشرون وموزعون كتاب "المعراج من الجذور" للدكتور عيسى حداد، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي والسرد الأدبي، متتبعاً رحلة أسرة عربية مسيحية عبر محطات تاريخية امتدت من جنوب الجزيرة العربية إلى الأردن، في قراءة تستحضر الذاكرة والهوية والانتماء.
يقدّم الكتاب سرداً يوثق مسيرة عائلة المؤلف عبر تحولات كبرى شهدتها المنطقة، بدءاً من اليمن مروراً بالحجاز وحوران ولبنان، وصولاً إلى الاستقرار في الأردن، مستنداً إلى المرويات الشفوية والوثائق التاريخية، ومبرزاً ما رافق تلك الرحلة من تحولات اجتماعية وثقافية وإنسانية، ضمن رؤية تؤكد عمق الجذور العربية للمسيحيين في المشرق ودورهم في بناء مجتمعاته والدفاع عنها.
يقول المؤلف الدكتور عيسى حداد في تمهيد كتابه: "جذوري حكاية تمتد عميقاً في التاريخ، وفروع تشابكت مع طرق القوافل ونسائم الريح، حتى وجدت موطني الأخير، حيث يستقر القلب بعد طول ترحال".
من جبال اليمن الشامخة وسهولها الخصيبة بدأت المسيرة، أحمل في دمي عبق اللبان وأصداء السدود العتيقة، عابراً الحجاز، حيث يحفظ الرمل خطى القوافل، حتى بلغت حوران، تلك الأرض التي تتكئ على التاريخ كما يتكئ الشيخ على عصاه. ثم مضيت إلى لبنان، ومنها إلى الأردن، إلى بلدة الطيبة شمال غرب إربد، حيث تمتزج الطيبة بكرم الضيافة، قبل أن تحتويني الزرقاء بتنوعها وحنينها، فأغدو جزءاً من حكايتها، وصولاً إلى عمّان.
لم تكن هذه الرحلة انتقالاً بين الأمكنة فحسب، بل كانت عبوراً في الزمن والهوية، ورحلة انتماء لا يخبو. وأردت من هذه الصفحات أن أؤكد أنني مسيحي أردني من صميم العروبة، تشهد لي الأرض قبل الحروف، وأن عروبتي ليست شعاراً يُرفع، بل وجداناً حياً وعهداً راسخاً.
لقد انتمى أجدادي إلى هذه الأرض، ودافعوا عنها بالمهج والأرواح، وقدموا الشهداء عبر العصور، ووقفوا إلى جانب إخوتهم المسلمين صفاً واحداً في مواجهة كل مستعمر وطئت قدماه هذه الأرض المباركة.
وهكذا يشهد التاريخ، وهكذا ستشهد الأجيال من بعدنا: كنا سنداً للعرب في كل زمان ومكان، وكان الدم الذي يجري في عروقنا، وما يزال، جسراً للوحدة لا للفرقة، يجمع ولا يفرق. فالأرض التي ارتوت بتضحيات أبنائها لا تنساهم، ونحن لا ننسى عهدها."
فيما كتب الدكتور محمد عبيد الله مقدمة الكتاب بعنوان "سردية الانتماء الأصيل"، يرى فيها أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليقدم كتابة تمزج بين الخاص والعام، والذاتي والتاريخي، مقدّماً أنثروبولوجيا حيّة للهوية العربية المسيحية.
ويشير عبيد الله إلى أن الرحلة السردية تبدأ من لحظة تنويرية في قبو بارد، حيث ينبعث التاريخ من أوتار عود قديم تفوح منه رائحة زيت السدر والبخور. ويغدو القبو مفتاحاً رمزياً للاوعي الفردي والجمعي، بما يحمله من أعماق النفس وخفاياها. ومن هذا المنطلق، يحوّل المؤلف العود من مجرد آلة موسيقية إلى رمز للذاكرة والهوية، وآلة زمن تنقل القارئ من الحاضر إلى الأزل، ومن الجغرافيا المحدودة إلى فضاءات الانتماء الرحبة، ليكشف عبر أوتاره طبقات من التاريخ والذاكرة في صياغة أدبية واعية.
ويؤكد عبيد الله أن اختيار المؤلف لمصطلح "المعراج"، ينطوي على دلالة رمزية عميقة، تعكس صعوداً قيمياً ومعرفياً نحو الجذور والأصول، وتبرز المسيحي العربي بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والمعرفي، وابناً وفياً للسدود والوديان والقبائل التي أسهمت في بناء حضارات المشرق.
تنساب معالم هذه الرحلة في السرد كنهر متدفق من الذكريات، يبدأ من جذور "سبأ وحمير في جبال اليمن الشامخة وسهول المخادر"، حيث استقرت المسيحية بين القبائل العربية القديمة، قبل أن يشكل انهيار سد مأرب عام 570م نقطة التحول الكبرى نحو الشتات والترحال. ومن هناك تمتد القافلة عبر صحراء الحجاز وطريق البخور، في مشهد يجسد الاندماج العميق في نمط الحياة العربية، وصولاً إلى سهول حوران، حيث بلغت إمارة الغساسنة، المنحدرة من أصول يمانية، ذروة ازدهارها.
وفي هذه المحطة، يقدم المؤلف قراءة تاريخية لافتة للقاء الغساسنة بجيوش الفتح الإسلامي،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
