ارتفع الين الياباني، اليوم الاثنين، وللجلسة الرابعة على التوالي، أمام الدولار الأميركي ليصل إلى أعلى مستوياته في نحو شهرين، صعوداً من أدنى مستوى في أكثر من 40 عاماً، وسط حالة من الجدل بشأن جدوى التدخلات لدعم العملة اليابانية.
وأكدت وزارة المالية اليابانية أنها تدخلت بشكل مشترك مع الولايات المتحدة لشراء الين يوم الجمعة، في حين أظهرت بيانات بنك اليابان المركزي أن طوكيو ربما اشترت ما تصل قيمته إلى 58.97 مليار دولار من الين يوم الخميس.
ويعكس انزلاق الين الياباني نحو أدنى مستوياته منذ عام 1986 السياسة النقدية التيسيرية لبنك اليابان المركزي، وفروق أسعار الفائدة، لا المخاوف المتعلقة بالمالية العامة للبلاد، وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة «بي سي إيه» للأبحاث المالية.
وسبق أن تدخلت اليابان لدعم عملتها في عامي 2022 و2024، وتجاوزت مبيعات الدولار في المرتين أكثر من 100 مليار دولار، مع وصول الين إلى مستويات فوق 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي بات يمثل عتبة فاصلة لتدخل السلطات.
ارتفع الين مقابل الدولار في أقل من 5 جلسات أكثر من 4.2% من مستويات قرب 164 ين / دولار إلى المستويات الحالي، مع تقليص المستثمرين رهاناتهم على استمرار ضعف العملة اليابانية، وزيادة التكهنات بتدخلات جديدة.
الدولار يقبل هدية البرميل.. كيف أشعل النفط سوق الفوركس؟
ترامب في المشهد
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن السلطات الأميركية نفذت تدخلاً لشراء الين في سوق الصرف الأجنبي بناءً على طلب تقدمت به اليابان.
وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة: «إنهم يعانون من ضعف الين، وأرادوا قليلاً من المساعدة»، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستستفيد أيضاً من هذا التدخل، وتابع: «كما أنه أمر جيد للاقتصاد العالمي».
ويرى محللون أن التدخل المشترك يحمل رسالة سياسية بقدر ما يحمل أثراً مالياً، إذ يعكس استعداد واشنطن لدعم استقرار أسواق الصرف في حال أصبحت تحركات العملات تهدد الاقتصاد العالمي.
أوراق نقدية من الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني، في هذه الصورة التوضيحية التي تم التقاطها في 4 مايو 2025.
طوكيو تؤكد
أكدت طوكيو تنفيذ تدخل مشترك نادر مع واشنطن في سوق الصرف لدعم العملة اليابانية، عقب تراجعها الشهر الماضي إلى أدنى مستوى في نحو أربعة عقود.
وأعلنت وزارة المالية اليابانية أنها تدخلت مع واشنطن في سوق الصرف يوم الجمعة لدعم الين، مؤكدة أنها لن تتردد في اتخاذ خطوات إضافية إذا اقتضت الضرورة، في أول تدخل منسق بين البلدين منذ عام 2011.
وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت التدخل، وجدد دعوته لبنك اليابان لمواصلة رفع أسعار الفائدة، معتبراً أن بلاده تدعم الخطوات الحاسمة التي تتخذها اليابان لمعالجة الانخفاض الكبير في قيمة الين.
وتسمح الآلية، التي جرى طرحها في عام 2020 لتهدئة الأسواق خلال جائحة كوفيد-19، لليابان بزيادة السيولة بالدولار دون الاضطرار إلى البيع المباشر لسندات الخزانة الأميركية، مما قد يخفف من ضغوط التمويل التي تواجهها طوكيو عند التدخل في سوق الصرف لدعم الين.
رسوم العمل القسري بديلاً للتعريفات.. هل يشعل ترامب حرباً تجارية جديدة؟
تدخل نادر
اشترت وزارة الخزانة الأميركية الين لدعم العملة اليابانية المتراجعة، إذ أفادت التقارير بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك باع اليورو مقابل الين نيابة عن وزارة الخزانة عبر «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي».
وأبلغت وزارة الخزانة عدداً من البنوك بأنها قد تتدخل في سوق الين، وأن عليها أن تكون مستعدة لأي تحرك مستقبلي.
ودعمت الولايات المتحدة الين بصورة مباشرة للمرة الأخيرة في عام 2011، عندما نسقت مع دول مجموعة السبع للمساعدة في استقرار الأسواق عقب كارثة الزلزال وأمواج تسونامي في اليابان.
وساعدت أنباء التدخل المحتمل من جانب وزارة الخزانة في تعزيز الين، إذ سجل قفزة ملحوظة خلال تعاملات فترة ما بعد الظهر.
موجة ذعر جديدة تضرب البورصات.. والذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام
مشتريات ضخمة
أشارت بيانات البنك المركزي الياباني إلى أن طوكيو ربما باعت ما يصل إلى 58.97 مليار دولار لشراء الين يوم الخميس، في إشارة إلى جهودها المتكررة لكبح ضعف العملة.
وقالت وزارة المالية في منشور على منصة «إكس» إن السلطات النقدية اليابانية تمتلك مجموعة واسعة من الأدوات لتلبية احتياجات السيولة في السوق، في خطوة بدت موجهة لطمأنة الأسواق بشأن قدرة طوكيو على مواصلة التدخل لدعم الين.
وقالت الوزارة: «ما زلنا على استعداد لاستخدام الأدوات المتاحة حسب الضرورة لدعم استقرار السوق، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى آلية إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية والدولية التابعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي».
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في دار ضيافة أكاساكا في طوكيو في 28 أكتوبر 2025
ما القادم؟
تتوقع «بي سي إيه» أن يظل الين الياباني وسندات الحكومة اليابانية تحت ضغط مستمر حتى نهاية عام 2026، حتى مع التدخلات الأخيرة، في إشارة إلى ضرورة ضبط وتطبيع السياسة النقدية.
في حين نصح اقتصاديون في «بي سي إيه» المستثمرين بالاستعداد للبدء في شراء هذه العملة المقيمة بأقل من قيمتها الحقيقية خلال فصل الشتاء المقبل.
ويبلغ معدل الفائدة الحقيقي في اليابان حالياً سالب 0.75%، وهو ما وصفته «بي سي إيه» بأنه سياسة تيسيرية للغاية في ظل مؤشرات تدل على ارتفاع حرارة الاقتصاد.
لماذا يفوت الدولار التصعيد وطوكيو تصمت عن انهيار الين؟
فرق أسعار الفائدة
أكدت «بي سي إيه» أن فوارق أسعار الفائدة التقليدية لم تعد تفسر ضعف الين، وتقدم مقاييس توقعات التضخم والانحدار النسبي لمنحنى العائد الياباني تفسيراً أكثر متانة للتحركات الأخيرة في زوجي الدولار/ين واليورو/ين.
وأسفرت مفاوضات الأجور السنوية عن زيادات تجاوزت 5% للسنة الثالثة على التوالي، فيما بلغ نمو الائتمان 5.7% في يونيو، وهو أسرع معدل له منذ أكثر من 30 عاماً باستثناء فترة الجائحة.
وتتوقع «بي سي إيه» أن يصل معدل التضخم الرئيسي في اليابان إلى 2.7% بحلول يونيو 2027، مع ارتفاع التضخم الأساسي إلى 3.1%.
بنك اليابان
توقع خبراء «بي سي إيه» أن يرغم هذا الارتفاع في التضخم بنك اليابان في نهاية المطاف على اتخاذ موقف أكثر تشدداً، مما سيدعم الين ويفضي إلى تسطيح منحنى العائد الياباني.
وأشارت «بي سي إيه» إلى أن ارتفاع الدين الحكومي الياباني لا يمثل أزمة مالية وشيكة، مستندة في ذلك إلى فائض الحساب الجاري للبلاد، وحجم أصولها الأجنبية الضخمة، وتراجع نسبة صافي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
بيتكوين تتماسك رغم الحرب.. هل باتت بديلاً لأسهم الرقائق؟
صفقات المناقلة
شجع انخفاض تقلبات العملة وسوق السندات على صفقات المناقلة الممولة بالين، المعروفة باسم «الكاري تريد»، ما أضاف مزيداً من ضغوط البيع، وفقاً لخبراء بنك «ميزهو».
وكتب خبراء بنك «ميزهو» في مذكرة: «يشكل التراكم الكبير في مراكز البيع المضاربية خطراً متنامياً لانعكاس حاد في حال ارتفاع التقلبات أو تدخل السلطات».
ويرى محللون أن رفع أسعار الفائدة في اليابان سيمنح التدخل الحكومي دعماً أكبر، في حين أن استمرار السياسة النقدية التيسيرية قد يحد من تأثير التدخلات المباشرة في سوق الصرف.
توصيات
أوصت «بي سي إيه» بالإبقاء على وزن منخفض في سندات الحكومة اليابانية حتى نهاية العام، والبدء في تجميع الين خلال فصل الشتاء.
واستبدلت الشركة مركز البيع على زوج الدولار/ين (USD/JPY)، الذي أغلق بخسارة بلغت 1.4%، بصفقة بيع على زوج الفرنك السويسري/ين (CHF/JPY).
ونقلت «بي سي إيه» توصيتها بشأن البنوك اليابانية إلى «محايد»، وقالت: «رغم أن ارتفاع العوائد دعم ربحية البنوك، فإن أي تحول مستقبلي في سياسة بنك اليابان قد يسطح منحنى العائد ويقلص هوامش الإقراض».
ويرجح محللون أن يعتمد نجاح التدخل الحالي على الخطوات المقبلة لبنك اليابان، إذ إن استمرار السياسة النقدية شديدة التيسير قد يقلص أثر أي تدخل مباشر في سوق الصرف خلال الأشهر المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


