احتياطيات مصر القياسية.. درع لمواجهة الصدمات الإقليمية المتزامنة

ارتفعت احتياطيات مصر من العملات الأجنبية إلى مستوى قياسي، ما يمنح القاهرة مساحة أكبر لإدارة التداعيات الاقتصادية لصراع إقليمي عطّل الشحن، ورفع تكاليف الطاقة، واختبر مراراً شهية المستثمرين للاستثمار في ديون الأسواق الناشئة. لكن الأدق أن يُقرأ رقم 56.29 مليار دولار بوصفه تأميناً لا ثروة فائضة؛ فهذا المخزون مطلوب لحماية اقتصاد معرّض في آن واحد لفاتورة وقود مستورد، وتقلبات في حيازات أجنبية من الدين المحلي، ومدفوعات خارجية كبيرة، ومصدرين رئيسيين للعملة الصعبة، السياحة وقناة السويس، قد يضعفان كلما تراجع الأمن الإقليمي.

كشف «البنك المركزي المصري» أن صافي الاحتياطيات الدولية ارتفع إلى 56.294 مليار دولار بنهاية يوليو، من 55.072 مليار دولار في يونيو، أي بزيادة 1.22 مليار دولار أو 2.2% خلال شهر واحد فقط، في استمرار لعملية إعادة بناء تسارعت منذ تعديل سعر صرف الجنيه في 2024 ووصول تمويل دولي وخليجي.

احتياطي النقد الأجنبي لمصر يواصل الارتفاع مقترباً من 56.3 مليار دولار

مخاطر أكبر توازي المخزون الأكبر

يقدّر «صندوق النقد الدولي» احتياجات مصر من التمويل الخارجي بنحو 30 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، تشمل عجز الحساب الجاري وسداد أقساط الدين ومدفوعات الصندوق نفسه، على أن تتراجع إلى نحو 19.4 مليار دولار في 2026-2027، قبل أن ترتفع مجدداً إلى قرابة 30 مليار دولار في 2027-2028. وهذا يعني أن الاحتياطيات الإجمالية، رغم كونها ضعف احتياجات التمويل السنوية تقريباً، لا يمكن قسمتها ببساطة على هذه الالتزامات لتحديد درجة الأمان؛ لأن جزءاً منها ضروري للحفاظ على الثقة بالعملة وتغطية الواردات ومواجهة تحركات رأس المال غير المتوقعة.

اختبرت مصر هذا الخطر فعلياً بعد اتساع الحرب الإقليمية أواخر فبراير؛ فبحسب تقديرات مصرفيين، سحب مستثمرون أجانب ما بين 5 و8 مليارات دولار من الأصول المصرية، أقل من نحو 20 مليار دولار خرجت خلال صدمة كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا، لكنه كان كافياً لإضعاف الجنيه. وبحسب بيانات البنك المركزي التي نقلتها «رويترز»، بلغت حيازات الأجانب من أذون الخزانة المصرية بالجنيه نحو 45.7 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر، وهو رقم لا يشمل السندات الأطول أجلاً، ما يعني أن إجمالي التعرض الأجنبي للدين المحلي أعلى من ذلك فعلياً.

مقر البنك المركزي المصري، في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، مصر، 19 يناير 2026.

فاتورة الطاقة تستنزف مباشرة

يمثّل ملف الطاقة الاختبار الثاني والأكثر مباشرة، فبعد أن كانت مصر مصدّرة إقليمية للغاز، تحولت إلى الاعتماد بشكل أكبر على الاستيراد مع تراجع الإنتاج المحلي؛ ما اضطرها لزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال ومحاولة تخفيف متأخرات مستحقة لشركات النفط الأجنبية، التي بلغت 6.1 مليار دولار في منتصف 2024، قبل أن تسدد الحكومة نحو 5 مليارات دولار منها بحلول يناير، بهدف خفض المتبقي إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو.

يجعل الصراع الإقليمي هذا التصحيح أكثر كلفة، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز المسال، أو تكاليف الشحن والتأمين الإضافية. وقدّرت تقارير نقلتها «رويترز» أن الكلفة الإضافية للطاقة المرتبطة بالصراع قد تصل إلى ما بين مليار و2.4 مليار دولار خلال السنة المالية، وهو مبلغ يقل عن 5% من الاحتياطيات الحالية حتى في حدّه الأعلى، لكن المشكلة أن هذه الصدمة لن تأتي منفردة، بل قد تتزامن مع ضعف تدفقات المحافظ وضغط على العملة وتراجع في عائدات قناة السويس.

قناة السويس.. الدولار الغائب

رغم تحسن بعض بنود الحساب الخارجي، لا يزال الحساب الجاري في عجز، حيث بلغ العجز 14.6 مليار دولار خلال التسعة أشهر الأولى من السنة المالية 2025-2026، مقابل صافي تدفقات داخلة عبر الحساب الرأسمالي والمالي بلغ 9.9 مليار دولار، ليبقى ميزان المدفوعات الإجمالي في عجز قدره 1.8 مليار دولار.

كانت قناة السويس عادة تساعد في تضييق هذه الفجوة، لكن اضطراب الملاحة وتغيير مسارات السفن قلّصا أحد أكثر مصادر الدولار انتظاماً لمصر. وتوضح تقديرات صندوق النقد حجم الفرصة الضائعة: تراجعت عائدات القناة من 8.8 مليار دولار في السنة المالية 2022-2023 إلى نحو 3.6 مليار دولار فقط في كل من 2024-2025 و2025-2026 المقدرة، قبل تعافٍ تدريجي متوقع. وعوّضت التحويلات المالية للمصريين في الخارج جزءاً من هذه الفجوة، إذ بلغت 43.1 مليار دولار خلال 11 شهراً حتى مايو، فيما قدّر صندوق النقد عائدات السياحة بنحو 17.1 مليار دولار في 2025-2026 مقابل 15.2 مليار دولار في العام السابق، رغم حساسية السياحة لتصورات الأمن الإقليمي.

عقب قفزة الاحتياطي الأجنبي.. الدولار يهبط في بنوك مصر دون 50 جنيهاً

الدعم الدولي لا يزال حاضراً

أكمل صندوق النقد مراجعتين لبرنامجه مع مصر في أواخر يوليو، ما أتاح نحو 1.8 مليار دولار، منها 1.5 مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد ونحو 272 مليون دولار ضمن تسهيل المرونة والاستدامة، بعد أن كان البرنامج توسع إلى 8 مليارات دولار في 2024 حين واجهت مصر شحاً حاداً في العملة الصعبة وتضخماً مرتفعاً.

يبقى مستوى الحماية الذي توفره الاحتياطيات مرهوناً بثلاثة عوامل متقاطعة: احتمال تزامن الصدمات، فأي تصعيد إقليمي مطول قد يرفع فاتورة الطاقة، ويقلص عائدات القناة، وينفّر السياح، ويضغط الجنيه، ويدفع مستثمرين أجانب لبيع الدين المحلي في وقت واحد؛ طبيعة الدولار الداخل نفسه، فالدولار القادم من الصادرات أو السياحة أو التحويلات أكثر ثباتاً من الدولار الداخل عبر ديون محلية قصيرة الأجل؛ واستمرار اعتماد جزء من قوة الاحتياطيات على تدفقات حساسة للثقة، مثل تمويل صندوق النقد واستثمارات الخليج وعائدات بيع الأصول.

جمّعت مصر عملة أجنبية كافية لتجنب معاملة كل هجوم على ناقلة أو ارتفاع في سعر النفط أو خروج مستثمر أجنبي كأزمة فورية في ميزان المدفوعات، وهذا يمنح صناع القرار وقتاً لتعديل أسعار الوقود وترتيب التمويل والسماح للعملة بالتحرك. لكن هذا الوقت لا يلغي التعرض الأساسي القائم؛ فمتانة هذا الدرع ستتحدد بقدرة مصر على خفض اعتمادها على واردات الطاقة، واستعادة عائدات «قناة السويس»، وجذب استثمارات أطول أجلاً تحل تدريجياً محل تدفقات المحافظ الأكثر تقلباً.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 9 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 3 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 16 ساعة
إرم بزنس منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 5 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 14 ساعة