الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط وانعكاساته على الأمن الإقليمي

دراسةٍ جديدة نشرها المعهد الدولي للدراسات الإيرانية "رصانة"، بعنوان "الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط وانعكاساته على الأمن الإقليمي"، للكاتب والباحث د. محمود حمدي أبو القاسم.

الدراسة تتناول الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط والذي يتجاوز حدود الشراكات التقليدية؛ من الدفاع والاقتصاد إلى الوساطة وصناعة التوازن.

ومع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، تتبلور ملامح فاعلٍ عابرٍ للأقاليم، قد يُعيد تشكيل معادلات الردع والأمن الإقليمي، لكن ضمن قيودٍ وتنافساتٍ معقدة.

مقدمة الدراسة:

توَّجت باكستان حضورها في الشرق الأوسط بالمشاركة في اجتماع مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026، والذي انتهي إلى توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين كل من السعودية وباكستان وتركيا، وذلك في خطوةٍ مهمةٍ تُضاف إلى تحركات باكستان المكثفة في المنطقة، بعد الحرب الباكستانية- الهندية، إذ تسارع هذا الحضور وأصبح نهجًا عمليًا أكثر من ذي قبل، وهو ما عبر عن تحول في السياسة الباكستانية وأولوياتها خارج نطاقها الجغرافي المباشر. إذ ظهرت إسلام آباد منذ ذلك الوقت كفاعلٍ أمني ودفاعي في المنطقة كما الحال في «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية، ثم لعبت إسلام آباد دور الوسيط في تسوية النزاعات، ومن بينها واحد من أعقد النزاعات وأكثرها تأثيرًا على الصعيدين الإقليمي والعالمي وهو الصراع الأمريكي- الإيراني، وبوتيرةٍ متزايدةٍ عمقت باكستان ارتباطاتها الاقتصادية بالمنطقة بصورةٍ ملفتة، فضلًا عن دخول أسواق المنطقة كموردٍ جديدٍ للسلاح.

في ظل الواقع المضطرب في الشرق الأوسط؛ يكشف حضور باكستان عن صعود تأثير قوة متوسطة مؤثرة في توازنات وتفاعلات المنطقة أكثر من ذي قبل، مما قد يؤثر على البنية الأمنية وتوازنات القوى والصراعات التي تشهدها المنطقة. وعلى ما يبدو أنَّ تحولاتٍ جوهرية تخص باكستان ومرونتها في التكيف مع معطياتٍ إقليمية ودولية مختلفة، صادفت تطلعاتٍ إقليمية لتأمين الاستقرار وتحقيق الردع؛ قد مهَّدت الطريق نحو هذا الحضور المكثف، ومنحته الفاعلية الحالية. وعلى الرغم من أهمية هذا الحضور وما قد يتركه من تأثيراتٍ متوقعة على بنية الأمن الإقليمي والتنسيق بين القوى الفاعلة في المنطقة، في ظل حالة التصعيد المتنامية في الإقليم منذ السابع من أكتوبر، فإنه يواجه قيودًا وتحدياتٍ عديدة؛ إذ إنَّ هذا الدور الباكستاني رغم ترحيب بعض القوى به، غير أنه يعد تحديًا لنفوذ ومصالح قوى أخرى.

تحاول هذه الدراسة أن تلقى الضوء على تأثير هذا الحضور على منطقة الشرق الأوسط، وبنية الأمن الإقليمي وتوازناته الراهنة، وذلك من منظور الواقعية الدفاعية بافتراض أنَّ الدول تسعى للحفاظ على أمنها وبقائها من خلال موازنة القوى. وذلك إلى جانب توظيف مقارباتٍ نظرية أخرى، كنظرية مركب الأمن الإقليمي، على اعتبار أن الحضور الباكستاني يرتبط بتهديداتٍ قادمة من أقاليم جغرافية متداخلة أمنيًا، ونظرية الاعتماد المتبادل بافتراض صلة باكستان بالشرق الأوسط اقتصاديًا واحتياجات المنطقة إلى إسلام آباد أمنيًا؛ إذ إنَّ هذا التكامل النظري يمكن أن يعطي منظورًا شاملًا للتحليل.

وفقًا لذلك، تفترض الدراسة أنَّ باكستان بوصفها قوة عسكرية ونووية يمكنها لعب دورٍ بارزٍ في التأثير على الأمن الإقليمي للشرق الأوسط، كما يمكنها لعب دور «الفاعل العابر للأقاليم» الذي يسهم في خفض التصعيد وبناء الثقة في الملفات الإقليمية الساخنة، عبر علاقاتها المتوازنة تاريخيًا مع أطرافٍ مثل إيران والسعودية.

كما تجادل الدراسة بأنَّه كلما زاد انخراط وتداخل الحضور الأمني والعسكري الباكستاني في الشرق الأوسط، أدى ذلك إلى تعزيز التوازن والردع الإقليمي، مما يجعل أمن جنوب آسيا وأمن الشرق الأوسط يندمجان تدريجيًا كمركب أمن إقليمي ممتد.

وتفترض أخيرًا أن التنافس الجيوسياسي لباكستان مع الهند وتقاطع مصالحهما في الشرق الأوسط، وكذلك التنافسي الأمريكي- الصيني في المنطقة؛ يعيق نشوء بيئة أمنية مستقرة تمامًا؛ حيث ينعكس هذا التنافس على شكل استقطابٍ غير مباشرٍ داخل مركب أمن الشرق الأوسط.

تتبنى الدراسة المنهج الاستقرائي في تناول العلاقة الارتباطية بين الحضور الباكستاني والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وخلال إطارٍ زمني يبدأ من مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر حتى الحرب الأمريكية- الإيرانية الراهنة، ويركز هذا المنهج على جمع البيانات والعلاقة المترابطة بطريقةٍ دقيقة من أجل الربط بينها بمجموعة من العلاقات الكلِّية العامّة، بالإضافة إلى الاستعانة بمقارباتٍ منهجية أخرى تدعم جوانب البحث كاقتراب تحليل النظم حيث يُنظر إلى أمن الشرق الأوسط كـ «نظام إقليمي» يتكون من فواعل وتفاعلات، ويؤثر فيه «الحضور الباكستاني» كعاملٍ خارجي أو كمدخلات للنظام، ووفقًا لذلك، تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية، أولًا: محفزات باكستانية وواقع إقليمي مضطرب، ثانيًا: طبيعة الحضور الباكستاني وأدواته، ثالثًا: حدود التأثير على الأمن الإقليمي، ورابعًا: الإشكاليات والقيود على دور باكستان في الشرق الأوسط.

أولًا: محفزات باكستانية وواقع إقليمي مضطرب

يرتبط حضور باكستان كلاعبٍ مؤثر في الشرق الأوسط بعدة عوامل وأهداف، يمكن تناول أبرزها على النحو الآتي:

1. أهمية المنطقة إستراتيجيًا لباكستان

ترتبط باكستان تاريخيًا بالشرق الأوسط ارتباطًا وثيقًا ويعود ذلك إلى فترة ما قبل الاستقلال عن الهند عام 1947؛ حيث خدم عدد كبير من جنودها في وحدات الجيش الهندي- البريطاني في القدس وعمان وبغداد والقاهرة ومسقط، وورثت المؤسسة العسكرية الباكستانية هذا الدور بعد الاستقلال، وأصبحت إسلام أباد واحدًا من أهم الشركاء العسكريين لعددٍ من دول المنطقة؛ حيث أسهمت باكستان في بناء القدرات العسكرية لبعض الدول العربية خصوصًا في دول الخليج. كما شاركت القوات الباكستانية إلى جانب مصر والأردن وسوريا وبعض الدول العربية في الحرب مع إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقلما تجد في العالم الإسلامي دولة كباكستان لديها هذا الرصيد وهذه الذاكرة التاريخية والعلاقة الموثوقة مع دول المنطقة، مما يجعل حضورها محل قبولٍ وشبه إجماع([1]).

وجغرافيًا، تقع باكستان على مفترق طرق في قارة آسيا وتعتبر همزة وصلٍ برية وبحرية بين ثلاث مناطق حيوية: الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وآسيا الوسطى. ضاعف هذا الموقع من قيمتها الجيوسياسية لدى دول الشرق الأوسط كشريكٍ تجاري واقتصادي مستقبلي لا يمكن تجاوزه، كما أسَّس لارتباطٍ عضوي مع بعض دوله حيث أصبحت إسلام آباد بالنسبة لدول الخليج حليفًا موثوقًا من جهة الشرق، يمكن التعاون معه لحماية أمن واستقرار دول المنطقة، وبالمقابل كانت هذه الدول داعمًا دبلوماسيًا واقتصاديًا حيويًا لباكستان منذ الاستقلال. لكن كما فرضت هذه الجغرافيا تحالفًا نشطًا بين باكستان ودول الخليج، فإنَّ حدودًا تمتد لنحو 900 كلم مع إيران، فرضت على باكستان سياسةً متوازنةً مضمونها ضرورة الإبقاء على حدودها مع إيران آمنة، لا سيما أن باكستان تستطيع الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى والقوقاز عبر الأراضي الإيرانية. في ظل الصراع الدولي والإقليمي الجيوسياسي أصبح هذا الموقع فرصةً لباكستان يمكن توظيفها في تعزيز مكانتها وموقعها على الخريطة السياسية والاقتصادية العالمية([2]).

أما ثقافيًا، تشكل الهوية الإسلامية المميزة لباكستان خلفيةً مهمةً لفهم طبيعة علاقاتها بالقوى الفاعلة في الشرق الأوسط، فبصفة عامة تتبنى باكستان في دستورها وفلسفتها السياسية مبدأ تعزيز الوحدة الإسلامية([3]). هذا الرابط الروحي يجعل من قضايا الشرق الأوسط (مثل القضية الفلسطينية) قضايا رأي عام داخلي تُحظى بإجماعٍ شعبي ورسمي؛ حيث لا تعترف باكستان بإسرائيل وتدعم الحقوق الفلسطينية بشكلٍ مبدئي انطلاقًا من هذا البعد الديني، وهو موقفٌ يتطابق مع مواقف العديد من حكومات دول المنطقة والموقف الشعبي في كافة دول الشرق الأوسط. كذلك تتطلع باكستان إلى توظيف هذه الهوية لتعزيز نفوذها داخل العالم الإسلامي وكسب التأييد لقضاياها ولدعم لاقتصادها([4]).

ومن هنا يحضر العامل الاقتصادي في المشهد، خصوصًا أن باكستان تقع منذ سنواتٍ تحت وطأة أزمات اقتصادية هيكلية ممتدة؛ حيث تعاني من عجزٍ في الميزان التجاري، وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاض حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وتدهور في قيمة عملتها الوطنية مقابل الدولار، وارتفاع حجم الديون الخارجية، والعجز المستمر في ميزان المدفوعات، وفاقمت الحرب الأمريكية- الإيرانية من الأزمة([5]). هذا الواقع جعل الدعم الخليجي عاملًا مهمًا تحرص الحكومات الباكستانية على استمراره لأنه ركيزة لاستقرار باكستان اقتصاديًا وسياسيًا.

وعلى المستوى العسكري، تعتبر باكستان دولة ذات جيشٍ قوي؛ أسهم في البرامج التدريبية في العديد من الدول الخليجية، كما تمتلك قاعدة علمية قوية وصاحبة ترسانة نووية تمنحها ثقلًا خاصًا في حسابات الأمن الإقليمي، وزاد هذا من الطلب الإقليمي عليها كمزودٍ أمني أو شريكٍ دفاعي، وقد تعزز مركزها بعد تفوقها في مواجهتها العسكرية مع الهند في مايو 2025، ونجحت في تقديم نفسها لدول الشرق الأوسط كقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، فضلًا عن كونها مصدر موثوق للسلاح. مما لا ريب فيه أنَّ صعود دور رئيس الأركان، قائد الجيش الجنرال عاصم منير، لعب دورًا في تغيير السياسة الخارجية لباكستان وإخراجها من طابعها الأمني باتجاه تموضعٍ جيوسياسي ووسيطٍ مرنٍ وحليف موثوق، والمتوقع أنَّ ذلك يعزِّز قوة باكستان ويمنحها مرونةً كبيرةً على الحركة خصوصًا في مواجهة الهند([6]).

2. اضطراب الأوضاع في الشرق الأوسط

يُعتبر الشرق الأوسط منطقة مصالح حيوية لباكستان وتؤثر تطوراته على مصالحها ومكانتها، فالإقليم يمرُّ بمخاضٍ صعبٍ منذ سنوات؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية في المنطقة لإحداث تغييراتٍ جوهريةٍ في بنية النظام الإقليمي بما يكرس نفوذها، وفي مقدمة هذه القوى الولايات المتحدة التي تبحث عن صيغةٍ أمنية بديلة للفراغ الذي تركته بعد تراجع اهتمامها بالمنطقة، والصين التي تحاول أن تفرض نفسها كأهم شريكٍ اقتصادي لدول المنطقة. كما سعت إسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر إلى تغييراتٍ جوهرية في الإقليم، وذلك من منطلق إلحاق هزيمةٍ ساحقةٍ بإيران وتحالفها الإقليمي بما يمهد الطريق نحو سيادةٍ إسرائيلية تمتد إلى وسط آسيا بل والقوقاز إذ ما أخذنا بالاعتبار مد مشروع السلام الإبراهيمي إلى وسط آسيا والقوقاز، بعد أن وصل إلى بعض دول الخليج العربي الذي كانت تتمتع فيه باكستان بوضعٍ خاصٍ منذ عقود.

وقد كان الهجوم الإسرائيلي على قطر دليلًا على منطق القوة بلا حدود التي تتبناه إسرائيل لفرض سيطرتها على دول المنطقة بما في ذلك دول الخليج، والانضمام لاتفاقيات «إبراهام» تحت الضغط بدلًا من بناء سلامٍ عادل ومتوازن، كما كشف في الوقت ذاته عن هشاشة البيئة الأمنية في بعض دول المنطقة، وغياب الردع خصوصًا أن بعض دول الخليج تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي كمظلة حمايةٍ أمنيةٍ كقطر والبحرين والكويت ([7]).

في ظل هذا الفراغ الأمني وتراجع الثقة في واشنطن كشريكٍ أمني ودفاعي، لم تكن باكستان لتنتظر ما قد تفرضه عليها هذه التحولات من تحدياتٍ فبادرت بالانخراط في القضايا الإقليمية لأنها تمس مصالحها بصورةٍ أساسية، وبالمقابل، حاولت دول الخليج تعزيز بنيةٍ دفاعيةٍ إقليمية لمعالجة الخلل الأمني الذي كشفت عنه الحرب، ومن ثم زاد الطلب الخليجي على باكستان كحليفٍ لخلق توازنٍ إقليمي، نظرًا لما تمتلكه من قوة عسكرية ونووية، وما لدى دول الخليج من قدراتٍ ومشاريع اقتصادية، ويمهد ذلك لاعتماديةٍ ومنفعة متبادلة طويلة الأجل.

وعلى الرغم من أنَّ إيران لديها تاريخ حافل من المنافسة والتوتر مع باكستان، غير أنَّ التوترات خلقت تقاربًا بين البلدين، ظهر ذلك في تجنب المسؤولين ووسائل الإعلام انتقاد باكستان على خلفية اتفاقيتها الدفاعية من المملكة، بل إنَّ حدود باكستان بعد الحصار الأمريكي كانت رئةً للاقتصاد الإيراني، وتستفيد باكستان من كونها دولة معبرٍ للبضائع الإيرانية، وذهبت بعض التقديرات للقول: «إنَّ إسلام أباد سوف تأخذ دور الإمارات كوجهةٍ لتجارة إيران مع العالم في ظل العقوبات والحصار»([8]). أما بالنسبة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية مع إيران فإنَّ باكستان كانت أكثر عرضةً لمخاطر امتداد الصراع من أي دولةٍ خارج الشرق الأوسط، فباكستان تشترك في حدودٍ طويلة مضطربة مع إيران، وتضم ثاني أكبر عددٍ من الشيعة في العالم، وتعتمد بشكلٍ كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، كما يعيش ملايين المغتربين الباكستانيين في منطقة الخليج العربي، وترى حكومة إسلام آباد خطورةً على أمنها واستقرارها مع استمرار الحرب([9]).

3. توجهات القوى الدولية في المنطقة

تعتبر علاقة باكستان وطيدةً بالصين، وتعتمد عليها الصين كقوة توازنٍ وإشغالٍ في مواجهة الهند، كما تعتبر باكستان مركزيةً في مبادرة الصين المتعلقة بالممرات الدولية سواء مبادرة «الحزام والطريق» أو طريق الشمال- الجنوب، وهي بذلك ممر بري آمن لحركة التجارة نحو بحر العرب، ووسيط ومروج للسلاح الصيني في المنطقة، ووسيط لضمان تدفق المصالح الصينية نحو المنطقة لا سيما النفط والسلع الصينية، بل ممر بري بديل بعد التهديدات التي تعرض لها مضيق هرمز خلال الحرب وجسر بري بديل قادر على إبقاء التجارة حية بين طهران وبكين. تدرك باكستان هذا الاهتمام الصيني وتسعى للاستفادة منه لتعزيز موقعها الإستراتيجي.

أما علاقتها بالولايات المتحدة فكانت فاترةً قبل عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، وغير مفيدة للجانبين، على الرغم من المساعدات التي قدمتها واشنطن لإسلام آباد؛ إذ لم تكن واشنطن راضيةً عن التعاون الباكستاني في مواجهة حركة «طالبان» والجماعات المعارضة للوجود الأمريكي على الوجه المطلوب، كما لم تكن باكستان راضية عن الدعم والاستثمار الأمريكي في الهند لتحقيق الهيمنة الإقليمية في جنوب وجنوب شرق آسيا. مع ذلك وبمرور الوقت تغير الوضع قليلًا؛ حيث أسهم الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في إزالة العائق الرئيسي للتعاون، كما أدت عودة التعاون الاستخباراتي بين البلدين إلى تخفيف حدة التوتر بينهما، بل سعت باكستان لتقديم نفسها لواشنطن كشريكٍ متعدد المهام: أمنى ودبلوماسي واقتصادي، سعيًا من إسلام أباد لخلق توازنٍ في علاقاتها مع الصين؛ إذ أصبحت باكستان أكثر قلقًا إزاء هيمنة الصين على موانئها، مما يضعف قراراها الإستراتيجي.

غازلت باكستان اهتمامات الرئيس ترامب وإدارته عبر حملةٍ دبلوماسية ممولة بعناية داخل الدوائر المقربة منه. وقد أتاح هذا التحرك لقائد الجيش، الجنرال عاصم منير، تجاوز تعقيدات المؤسسات وإعادة تشكيل العلاقة عبر الدبلوماسية الفردية؛ حيث قدّم نفسه مركز ثقلٍ وشخصيةٍ منضبطةٍ وحازمة. وبناءً على هذا التموضع، اكتسب منير احترام ترامب وزار البيت الأبيض، في خطوةٍ مثّلت اعترافًا أمريكيًا صريحًا بهيكل السلطة الحقيقي في باكستان. وقد أسهم ذلك في تخفيض ترامب معدل التعريفة الجمركية المقترح لباكستان من 29% التي هُدّد بها في البداية إلى 19%، بعكس الهند التي وصل معدل التعريفة الجمركية المفروضة عليها 50%، وذلك بسبب مشترياتها من النفط الروسي الخاضع للعقوبات([10]).

ساعد هذا التموضع في دعم جهود باكستان في الشرق الأوسط، كما أسهم ضعف أطر العمل الجماعي ومؤسسات حفظ السلم والأمن الدوليين، في منح باكستان مساحةً للمناورة والانتقال من هامش النظام العالمي نحو مركزه، ومنحها ذلك العديد من الفرص، وتقديم نفسها وسيط سلامٍ وفاعلٍ دولي صاعد، فضلًا عن انتهاج سياساتٍ خارجية مستقلة، وتنويع الشركات بعيدًا عن الالتزام بالتحالف مع قطبٍ دولي واحد.

ولما كان الشرق الأوسط في بؤرة السياسات العالمية، ومجال اهتمام القوى الدولية، فإنَّ باكستان رأت أنه ساحةً لإثبات حضورها؛ إذ يساعد على تقريب قيادتها من الرئيس الأمريكي بصورةٍ مباشرة، ومن العديد من القادة المؤثرين في المنطقة، وهذا يتيح لها كقوةٍ إقليمية مهمة تعزيز سياساتها الخارجية وبما يخدم مصالحها الإستراتيجية، ويساعدها في طرح وجهات نظرها بشأن اهتماماتها وقضاياها المختلفة، بل يعود عليها بمكاسب دبلوماسية واقتصادية مهمة، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، والعديد من الشركاء في الشرق الأوسط، وهذا يضمن لباكستان استمرار تدفق المساعدات، كما تعتقد باكستان أنَّ بإمكانها تسليط الضوء دوليًا على قضية كشمير وجامو من خلال هذا الدور المتنامي([11]).

4. شبكة علاقات باكستان مع القوى الإقليمية الفاعلة

تمتلك باكستان مكانةً مهمة في المنطقة وذلك من خلال شبكةٍ من العلاقات الحيوية مع القوى الرئيسية الفاعلة في الشرق الأوسط. تبرز السعودية كأهم شريكٍ لباكستان في الشرق الأوسط، وهي شراكة إستراتيجية عميقة، وظهرت صلابة هذه العلاقة في محطاتٍ تاريخية مختلفة؛ حيث تمثل السعودية لباكستان عمقًا روحيًا استثنائيًا لوجود الحرمين الشريفين فيها. هذا الرابط الديني تحول عبر العقود إلى تحالفٍ إستراتيجي وثيق، اتخذ سمة الاعتماد المتبادل؛ إذ تقدم باكستان التزاماتٍ أمنيةٍ للمملكة باعتبارها مركز العالم الإسلامي، وفي المقابل تقدم السعودية دعمًا ماليًا ونفطيًا حيويًا للاقتصاد الباكستاني، كما تستقبل المملكة 2.26 مليون باكستاني على أراضيها بوصفها قوة مضافة إلى العالم الإسلامي، وكذلك قدمت المملكة دعمًا قويًا لباكستان بعد الاستقلال. وتدين باكستان للسعودية بدعم برنامجها النووي الذي أعاد لها الردع مع الهند، ولعب الجانبان دورًا خلال الحرب الباردة في الساحة الأفغانية، وتوجت الشراكة بين البلدين باتفاقية دفاع إستراتيجي مشترك نقل العلاقة لمستوى تحالفٍ إستراتيجي، وتعود هذه العلاقة على باكستان بفوائد كبيرة سياسيًا واقتصاديًا([12]).

كما أنَّ لباكستان علاقاتٌ حيوية مع تركيا؛ حيث يقدم الجانبان لبعضهما دعمًا إستراتيجيًا في مواجهة التحديات في بيئتهما الإقليمية، وتستفيد باكستان من الخبرات العسكرية والتكنولوجية التركية؛ إذ يتفق الجانبان في وجهات النظر تجاه العديد من ملفات المنطقة، وتجمع بينهما توجهات متقاربة تخص وسط آسيا ومنطقة القوقاز والشرق الأوسط، باعتبارهما فضاءات تقليدية وتاريخية لنفوذهما. فقد كانت باكستان الشريك العسكري الأكبر لتركيا في دعم أذربيجان ضد أرمينيا، وهي شريكٌ رسمي في تطوير برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس. ويمتد هذا الدعم الباكستاني لأنقرة حتى بحر أيجه في مواجهة اليونان؛ حيث تحضر القوة العسكرية الباكستانية في هذه المنطقة وتنظر إليها أثينا كقوة تهديد([13]).

ومع أنَّ هناك خلافات عميقة بين باكستان وإيران غير أنَّ الجانبين قادرين على إدارة هذه الخلافات؛ إذ إنَّ أولويتهما

تتمثل في إدارة الخلافات والحفاظ على استقرار الحدود والمصالح المشتركة. هذا التوازن بين التحالف السعودي والشراكة التركية والتواصل الإيراني يعكس طبيعة الحضور الباكستاني في الشرق الأوسط، فحضورها في ليبيا لم يؤثر على شراكتها مع تركيا، وعلاقاتها مع إيران لم تكن على حساب تحالفها الإستراتيجي مع السعودية، وقد امتدت شراكتها مع دول المنطقة ووصلت حد استفادة البحرين من عمل جنودٍ باكستانيين ضمن قواتها المسلحة، وكذلك عمان. أما العراق، فقد تلقى طياروه تدريباتٍ في باكستان، إلى جانب تدريبات مكافحة الإرهاب، وشكرت الحكومة العراقية إسلام آباد على مساعدتها في هزيمة تنظيم «داعش» بعد تحرير الموصل([14]).

وهكذا كرست باكستان وجودها الإقليمي كلاعبٍ قادر على المناورة بين المحاور المختلفة، مستفيدة من أدواتها الاقتصادية والدفاعية والدبلوماسية لتحقيق نفوذٍ فاعل ومتدرج في الشرق الأوسط. وقد أهلها ذلك إلى أن تصبح جسرًا لتصفية الخصومات الإقليمية سواء بين الدول العربية وغير العربية أو بين الدول العربية بعضها البعض.

وأخيرًا، يمكن القول إنَّ الظروف سنحت لباكستان توسيع حضورها في الشرق الأوسط، وذلك بهدف تحقيق عدة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المواطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المواطن السعودية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
صحيفة سبق منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
صحيفة عاجل منذ 9 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 5 ساعات
صحيفة الوئام منذ 12 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 18 ساعة
صحيفة عاجل منذ 4 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 19 ساعة