كثيراً ما يهبّ الأردنيون، أو بعضهم، للدفاع عن العشيرة والعشائرية كلما طُرحت مسألة الدولة المدنية أو جرى نقد توظيف العشيرة في الحياة السياسية. ويذهب بعض المدافعين إلى اعتبار أي حديث عن ضرورة تحييد العشيرة عن السياسة هجوماً على العشيرة ذاتها، وكأن الدعوة إلى الدولة المدنية تعني إلغاء النسيج الاجتماعي الذي تشكلت منه المجتمعات الأردنية عبر عقود طويلة.
لكن المسألة في حقيقتها ليست في وجود العشيرة، ولا في دورها الاجتماعي، ولا في الروابط التي تجمع أفرادها؛ وإنما في من اختطف دورها، ومن أخرجها من سياقها الطبيعي، ومن أقحمها في أدوار سياسية ليست من طبيعتها ولا من وظائفها التاريخية.
فالعشيرة، في سياقها الاجتماعي، كانت إطاراً للتكافل والمساندة وإغاثة المحتاج وحماية الفرد والوقوف إلى جانبه في الأزمات. وكانت قيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على حفظ تماسك أفرادها ومساعدة الضعيف منهم، لا بعدد الأصوات التي تستطيع حشدها في صندوق الاقتراع، ولا بقدرتها على إيصال نائب أو رئيس بلدية أو مسؤول إلى موقعه.
غير أن ما جرى خلال السنوات الماضية يبدو وكأنه عملية إعادة تعريف للعشيرة نفسها. فقد بدأ البعض يتحدث عن "مؤسسة العشيرة ، ثم ذهب أبعد من ذلك حين حاول تقديمها باعتبارها شبيهة بالحزب السياسي، بل وطرحها أحياناً كبديل عن الأحزاب. وأصبحت الانتخابات النيابية والبلدية في بعض المناطق مناسبة لإجراء انتخابات داخلية في العشائر لاختيار مرشحها، وكأن التنافس السياسي لم يعد بين برامج ورؤى وأفكار، وإنما بين كيانات اجتماعية تتنافس على حجز مقعد لها في الدولة.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى.
لقد جرى انتزاع العشيرة من وظيفتها الاجتماعية والتكافلية، وإقحامها في العمل السياسي، فلا هي نجحت في إنتاج حياة سياسية أكثر نضجاً، ولا هي حافظت على دورها الاجتماعي الذي نشأت عليه. وفي المسافة بين الدورين، وجد بعض أصحاب النفوذ والمال والسلطة فرصة لتحويل العشيرة إلى أداة لتحقيق طموحاتهم الشخصية.
فالمرشح لا يعود بحاجة إلى إقناع الناخب ببرنامجه أو رؤيته بقدر حاجته إلى إقناع أبناء عشيرته بأنه "مرشح العشيرة . والناخب لا يعود بالضرورة أمام سؤال: من الأقدر على تمثيلي؟ وإنما أمام سؤال آخر: لمن ستذهب أصوات عشيرتنا؟
وبذلك تتحول السياسة من مجال للتنافس على الأفكار والبرامج إلى سباق في توزيع الولاءات الاجتماعية.
ولعل المشهد الذي جرى تداوله أخيراً، والذي يظهر أحد الوجهاء العشائريين وهو يستقبل أحد المسؤولين في دعوة أنفقت عليها آلاف الدنانير، يلخص جانباً مؤلماً من هذه المفارقة.
فبينما ينشغل صاحب الدعوة بإكرام الضيف الرسمي وإظهار مكانته الاجتماعية وقدرته على تنظيم مأدبة ضخمة، يظهر بين الحضور رجل تبدو عليه الحاجة، يحاول الوصول إلى الضيف الرسمي، لعله يجد عنده حلاً لمشكلته، أو يسلمه ورقة تشرح حاجته.
المشهد بحد ذاته ليس جديداً. كثيراً ما نشاهد مثل هذه الصور عندما يزور مسؤول كبير منطقة أو مجلساً أو ديواناً؛ حيث يتحول اللقاء أحياناً إلى طابور من أصحاب الحاجات الذين يحاولون الوصول إلى المسؤول، أملاً في واسطة أو وظيفة أو علاج أو حل لمشكلة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن صاحب الحاجة في هذا المشهد هو، كما يبدو، من أبناء عشيرة صاحب الدعوة نفسها.
وهنا يجب أن نتوقف.
ما قيمة العشيرة إذا كان ابنها المحتاج مضطراً إلى تجاوز أبناء عشيرته بحثاً عن المسؤول؟ وما الذي بقي من مفهوم التكافل العشائري إذا كان المال يُنفق بسخاء على موائد المسؤولين، بينما يعجز أحد أبناء العشيرة عن إيجاد من يسمع حاجته؟
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل العشيرة جيدة أم سيئة؟ ولا: هل يجب أن نلغي العشيرة أم نبقي عليها؟
السؤال الأهم هو: من اختطف العشيرة؟
من الذي أخذ إطاراً اجتماعياً تاريخياً يقوم على التكافل والمساندة، وحوّله إلى منصة للنفوذ السياسي؟
ومن الذي أقنع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
