يقال إن الوقت هو المال، لكنه في حياة المدن أكثر من ذلك؛ إنه جزء من جودة الحياة والإنتاج والاقتصاد. وعندما يقضي آلاف المواطنين يومياً وقتاً طويلاً في الطرقات، فإننا لا نتحدث عن ازدحام مروري فحسب، بل عن موارد اقتصادية مهدرة، ووقود مستهلك، وتلوث متزايد، وضغط نفسي، ووقت كان يمكن أن يُستثمر في العمل والأسرة والحياة.
وتحتل عمّان المرتبة الخامسة بين أكثر العواصم العربية ازدحاماً، والمرتبة الخامسة والستين عالمياً، في وقت يتجاوز فيه عدد المركبات في الأردن 2.4 مليون مركبة،بينما تقدر عدد المركبات المتواجدة في شوارع عمّان اثناء ساعة الذروة ب 1.8 مليون مركبة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تفسر وحدها الأزمة؛ فمدن كثيرة في العالم تضم أعداداً أكبر من السكان والمركبات، ومع ذلك تنعم بحركة أكثر انسيابية، لأنها أحسنت إدارة النمو قبل أن تدير المرور.
ومن موقعي الأكاديمي والمهني في مجال التخطيط الصحي، أجد أن المبادئ التي تحكم التخطيط الناجح لا تختلف من قطاع إلى آخر؛ فسواء تعلق الأمر بإدارة مستشفى أو مدينة، فإن النجاح يبدأ بتشخيص الأسباب الجذرية، وبناء رؤية طويلة المدى، وتنسيق الجهود بين المؤسسات، واتخاذ القرار استناداً إلى البيانات، لا إلى ردود الفعل. ولذلك فإنني أنظر إلى أزمة السير بوصفها قضية حوكمة وتخطيط حضري بقدر ما هي قضية هندسة مرورية.
من إدارة المرور إلى إدارة المدينة
أزمة السير ليست مشكلة طرق فقط، وإنما انعكاس لطريقة نمو المدينة وإدارتها. فكل مشروع كبير، سواء كان جامعة أو مستشفى أو مجمعاً تجارياً أو مدينة سكنية، لا يضيف مبنى جديداً فحسب، بل يضيف آلاف الرحلات اليومية إلى شبكة الطرق.
ومن هنا تبرز أهمية دراسات تقييم الأثر المروري(Traffic Impact Assessment)للمشروعات الكبرى قبل ترخيصها، بحيث تُحدد قدرتها على استيعاب الحركة المتوقعة، والحلول المطلوبة لمداخلها ومخارجها والتقاطعات المحيطة بها.
فالتنمية الحضرية الناجحة لا تعني بناء المزيد من المنشآت، وإنما ضمان قدرتها على الاندماج في المدينة دون أن تتحول إلى بؤر جديدة للاختناق.
النقل العام الحل الذي يبدأ قبل الطريق
لا يمكن معالجة أزمة عمّان بالاستمرار في إضافة الطرق لاستيعاب المزيد من السيارات؛ لأن الطريق الأوسع قد يجذب مزيداً من المركبات، فتعود المشكلة بعد فترة بصورة أكبر.
الحل الاستراتيجي هو بناء شبكة نقل عام متكاملة وموثوقة، تتكامل فيها الحافلات مع الباص سريع التردد وخطوط النقل الأخرى، وتربط المناطق السكنية بمراكز العمل والتعليم والصحة والخدمات، مع مواقف تبادلية عند المداخل والمحاور الرئيسية، ونظام موحد للمعلومات والتذاكر والمسارات.
فالناس لن يتركوا سياراتهم الخاصة لمجرد وجود حافلات، وإنما عندما يصبح النقل العام خياراً عملياً: موثوقاً، آمناً، مريحاً، منتظماً، ومنافساً للسيارة من حيث الوقت والكلفة.
وهنا تظهر فلسفة التخطيط الحضري الحديثة: لا نسأل فقط كيف نستوعب مزيداً من السيارات، بل كيف نقلل حاجة الناس إلى استخدامها أصلاً!
ومن المفيد لعمّان الاستفادة من مفهوم التنمية الموجهة حول النقل العام (TOD)، بحيث يتركز النمو العمراني والأنشطة التجارية والخدمية حول.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
