quot;مسيّرة الزاويةquot; تختبر تهدئة ليبيا.. هل يعود النفط بوابة للصراع؟

أعادت هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منطقة الزاوية طرح أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً أمام الليبيين والعالم: هل يستطيع البلد، صاحب أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، حماية ثروته النفطية من تداعيات السياسة والسلاح، بعدما بدأ، للمرة الأولى منذ سنوات، استخدام النفط نفسه جسراً للتقارب بين شرق البلاد وغربها؟

تعرضت منشآت نفطية في الزاوية، شمال غربي ليبيا، لهجمات بطائرات مسيرة بدأت الأحد واستمرت حتى فجر الثلاثاء، مستهدفة مخازن ومنشآت مرتبطة بالمصفاة، بالتزامن مع عمليات إجلاء لسكان في المنطقة. ولا تكمن أهمية هذا التطور في حجم الخسائر المباشرة فحسب، بل في توقيته السياسي والاقتصادي الحساس.

تأتي هذه الهجمات في وقت تحاول فيه ليبيا تحويل أشهر من التقارب النسبي بين مراكز القوة المتنافسة إلى ترتيبات أكثر ديمومة، بالتوازي مع إطلاق أكبر موجة من الاستثمارات والاستكشافات النفطية التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

ومن هنا، يمكن النظر إلى ما حدث في الزاوية باعتباره اختباراً مزدوجاً: الأول لقدرة المؤسسات الأمنية على حماية شريان الاقتصاد الليبي، والثاني لمدى صمود التفاهمات السياسية الجديدة عندما تنتقل التهديدات من غرف التفاوض إلى منشآت الطاقة.

وتبرز المفارقة في أن الهجوم وقع بعد أيام فقط من حديث المؤسسة الوطنية للنفط عن مسار يقود ليبيا إلى إنتاج مليوني برميل يومياً بحلول أوائل 2031، مدعوماً بميزانية تشغيلية تجاوزت 13 مليار دينار ليبي.

غير أن بلوغ هذا الهدف لا يتطلب حفراً جديداً أو إعادة تأهيل الحقول وخطوط الأنابيب فحسب، بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى بيئة أمنية قادرة على إقناع شركات الطاقة العالمية بأن استثماراتها لن تصبح رهينة لجولة جديدة من الصراع الداخلي.

عام نفطي مختلف منذ بداية 2026، بدأت صناعة الطاقة الليبية تستعيد عنصراً افتقدته طويلاً: القدرة على التخطيط لما هو أبعد من الشهر الحالي أو الأزمة التالية.

دخلت ليبيا العام بعدما أنتجت نحو 501 مليون برميل من النفط خلال 2025، بمتوسط يقارب 1.363 مليون برميل يومياً، في أداء أعاد الإنتاج تدريجياً إلى مستويات ظلت بعيدة المنال خلال سنوات الإغلاقات والصراعات. وبالتوازي، ارتفعت إيرادات القطاع، وفق البيانات المنشورة، إلى نحو 21.985 مليار دولار.

تفاصيل أكثر: ليبيا تسجل أعلى مستوى إنتاج نفطي منذ أكثر من عقد

لكن التحول الأبرز لم يكن في أرقام الإنتاج وحدها، بل في عودة الاستثمار الدولي إلى قطاع ظل لسنوات أسيراً للمخاطر السياسية والأمنية.

ففي فبراير، أرست ليبيا أول مزايدة لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز منذ 17 عاماً، بعد منافسة على رقع استكشافية متعددة، وفازت بها ست شركات عالمية، من بينها "شيفرون" الأميركية و"إيني" الإيطالية و"قطر للطاقة". وتحمل عودة شركات الطاقة الكبرى إلى المنافسة على الأصول الليبية دلالة تتجاوز نتائج المزايدة نفسها، إذ يصعب فصلها عن التحسن النسبي في تقييم المخاطر السياسية والأمنية للبلاد.

وفي الشهر نفسه، عاد حقل سيناون إلى الإنتاج بعد توقف استمر أكثر من ثلاث سنوات بسبب مشكلات مالية وفنية، بطاقة تقارب 20 ألف برميل يومياً. وتبعه في مارس استئناف "توتال إنرجيز" الإنتاج من حقل المبروك، المتوقف منذ 2015، بطاقة أولية بلغت نحو 25 ألف برميل يومياً.

ولم تقتصر المؤشرات الإيجابية على النفط. ففي مارس، أعلنت ليبيا اكتشافاً غازياً بحرياً عبر "إيني"، تقدر موارده بنحو تريليون قدم مكعب في منطقتي "بحر السلام 2" و"بحر السلام 3". وفي أبريل، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز، بينها اكتشاف في حوض غدامس سجل تدفقات من الغاز والمكثفات.

واستمر زخم المشاريع خلال يونيو، عندما أضاف مشروع طورته "إيني" بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط نحو 800 مليون متر مكعب سنوياً إلى قدرات إنتاج الغاز. وفي يوليو، اعتمدت ليبيا خطة تطوير اكتشاف "الإعصار"، الذي تقدر موارده بنحو 195 مليون برميل، مع قدرة إنتاج متوقعة تقارب 5 آلاف برميل يومياً.

ترسم هذه المؤشرات مجتمعة صورة لقطاع يستعيد زخمه تدريجياً، لكن دلالتها الأهم تكمن في إعادة ليبيا إلى حسابات شركات الطاقة الدولية بعد سنوات كان فيها السؤال الأول للمستثمر لا يتعلق بحجم الاحتياطيات أو إمكانات الإنتاج، بل بموعد الإغلاق السياسي المقبل.

النفط جائزة التهدئة لم تحدث الانتعاشة النفطية في ليبيا بمعزل عن السياسة. فمنذ بداية العام، بدأت سلسلة من الخطوات، التي بدت منفصلة ظاهرياً، تتقاطع لتشكّل مساراً أكثر اتساقاً نحو إدارة الانقسام بين الشرق والغرب، وربما تهيئة الطريق لتجاوزه لاحقاً.

في أبريل، توصل مجلسا النواب والدولة إلى اتفاق بشأن ميزانية موحدة وتوحيد الإنفاق العام، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ 13 عاماً. وفي بلد شكّلت فيه السيطرة على الإيرادات والإنفاق إحدى أبرز أدوات الصراع السياسي، يتجاوز الاتفاق على إطار مالي موحد الحسابات المحاسبية، ليمس مباشرة بنية السلطة وآليات توزيع الموارد.

بعد ذلك، اكتسبت التحركات الدولية زخماً أكبر، ولا سيما الجهود الأميركية والأممية.

طرحت واشنطن مساراً يربط توحيد مؤسسات الدولة وتقاسم السلطة بين الشرق والغرب بتوسيع الاستثمارات النفطية. وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، إن الولايات المتحدة تشجع شركاتها على دخول السوق الليبية، مشيراً إلى توقيع "كونوكو فيليبس" و"شيفرون" اتفاقيات في البلاد خلال 2026. كما طُرحت تقديرات أميركية تشير إلى إمكانية مضاعفة إنتاج ليبيا النفطي إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد، إذا نجحت ترتيبات الاستقرار والاستثمار.

وفي القاهرة، أعادت التحركات الدبلوماسية التأكيد على دعم خريطة الطريق الأممية وتوحيد مؤسسات الدولة، بالتزامن مع تكثيف المبادرات الرامية إلى كسر جمود سياسي استمر سنوات.

لكن الإشارة الأكثر رمزية ربما جاءت من المسار العسكري. ففي يوليو، اجتمعت قيادات عسكرية من الشرق والغرب في سرت، بحضور اللجنة العسكرية المشتركة "5+5"، واتفق الطرفان على تنظيم تمرين عسكري موحد في جنوب البلاد، إلى جانب دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية.

لم يصل الأمر إلى دمج هياكل القيادة، لكنه نقل فكرة التوحيد من نطاق الخطاب السياسي إلى خطوة أولية نحو العمل الميداني المشترك.

وهكذا، تشكلت خلال أشهر معادلة غير مألوفة في ليبيا: ميزانية أكثر توحيداً، وتنسيق عسكري متزايد، وحراك دولي متسارع، وشركات نفط عالمية تعود إلى البلاد، وحقول متوقفة تستأنف الإنتاج.

وفي قلب هذه المعادلة يقف النفط باعتباره الجائزة الاقتصادية المحتملة للتهدئة، وفي الوقت نفسه أحد أكثر عناصرها هشاشة. لذلك، تأتي ضربة الزاوية لتصيب هذه المعادلة عند أكثر نقاطها حساسية.

لماذا الزاوية مهمة؟ الزاوية ليست مجرد مدينة تحتضن منشأة نفطية، بل تمثل عقدة مهمة في شبكة تكرير الخام وتخزينه وتصديره في غرب ليبيا، وترتبط بمسارات تدفق حيوية، من بينها خام حقل الشرارة، الأكبر في البلاد.

وفي مارس الماضي، رفعت ليبيا شحنات خام الشرارة عبر مينائي مليتة والزاوية إلى نحو 160 ألف برميل يومياً، بعد التعامل مع تداعيات حريق سابق. ويعكس ذلك الوزن الذي تتمتع به البنية التحتية في الزاوية ضمن منظومة الصادرات النفطية الليبية، وحساسية أي اضطراب يصيبها.

لذلك، فإن تكرار الهجمات على منشآت من هذا النوع يفتح الباب أمام ثلاثة مستويات من المخاطر.

الأول مباشر، ويتمثل في احتمال تعطل الإنتاج أو التكرير أو التصدير، وما يترتب على ذلك من خسائر في الإيرادات لدولة تعتمد بدرجة كبيرة على المحروقات.

والثاني استثماري. فشركات الطاقة الدولية تستطيع التعامل مع تقلبات الأسعار أو صعوبة تطوير الحقول، لكنها تواجه تحدياً أكبر في تسعير مخاطر منشآت قد تتحول، خلال ساعات، إلى ساحة لصراع مسلح. وكلما ارتفعت هذه المخاطر، ازدادت صعوبة تحويل خطط الاستثمار والاستكشاف إلى مشاريع طويلة الأجل.

أما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من الشرق بلومبرغ

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 3 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 3 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 19 ساعة