لم يعد اختيار القانون الإنجليزي في العقود الدولية مرتبطًا بجغرافيا الدولة التي نشأ فيها، بل أصبح ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود. فقد تختار شركتان من دولتين لا تنتميان إلى منظومة القانون العام هذا القانون لتنظيم علاقاتهما التجارية، حتى أصبح في عدد من قطاعات الأعمال العالمية بمنزلة "القانون الافتراضي"، والإطار المرجعي لصياغة المعاملات الدولية العابرة للحدود، ليحتل بذلك موقعًا متقدمًا في خريطة الاقتصاد العالمي.
جوهر التنافس بين الأنظمة القانونية لا يكمن في كثرة النصوص، بل في قدرتها على تحويل المستقبل إلى مساحة يمكن قراءتها. فالأسواق لا تخشى المخاطر بقدر ما تخشى المجهول. فكلما اتسعت مساحة اليقين القانوني، انخفضت المخاطر، وتراجعت تكلفة رأس المال، وأصبحت الصفقات العابرة للحدود أكثر قابلية للتنفيذ. ولهذا لم يعد القانون مجرد قواعد تحكم العلاقات، بل أصبح أحد أدوات الاقتصاد في إنتاج الثقة.
ولم يتشكل هذا اليقين في القانون الإنجليزي دفعة واحدة، بل كان حصيلة مسيرة قضائية متواصلة امتدت قرابة 950 عامًا، تراكمت خلالها الأحكام والمبادئ القضائية حتى أصبح القضاء نفسه مستودعًا للخبرة القانونية المتطورة. فمنذ توحيد القضاء الملكي بعد الغزو النورماني عام 1066، نشأ تقليد قانوني يقوم على البناء التراكمي للسوابق؛ فأصبحت كل قضية تضيف لبنة جديدة إلى صرح قانوني يتطور مع الزمن.
كما أسهم التفاعل الحضاري الذي مرت به بريطانيا، ومنها التأثيرات القانونية المقبلة عبر النورمانديين في صقلية، بما حملته من تلاقح بين منهجية الفقه الإسلامي وتطبيقات القانون اللاتيني، في إثراء التفكير القانوني في العقود والالتزامات، ومنحه مرونةً وقدرةً على استيعاب التحولات. ومع تراكم الخبرة القضائية، تقلّصت مساحة المفاجأة، وازدادت قدرة المتعاملين على استشراف اتجاه القضاء قبل الوصول إلى المحكمة.
وبذلك أصبح القانون الإنجليزي من أكثر النظم القانونية نضجًا وتطورًا؛ فالقيمة الحقيقية لم تكن في كثرة القواعد، بل في قدرة السوق على فهم كيفية تطبيقها، وتحويل القانون من مجرد إطار تنظيمي إلى أداة لإدارة المخاطر وصناعة الثقة.
ومع توسع التجارة البريطانية ثم العولمة الاقتصادية، انتقل هذا اليقين من المحاكم إلى الأسواق. فأصبح القانون الإنجليزي مهيمنًا على المعاملات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
