موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية، بل أصبحت فاتورة اقتصادية تتوزع بين انخفاض إنتاجية العمال، وارتفاع تكاليف التبريد والطاقة، وضغوط أكبر على المياه والبنية التحتية والمالية العامة.. ومع زيادة الاحترار تتشكل سوق جديدة للاستثمار في التكيف المناخي

هل تساءلت يومًا عن الثمن الفعلي للحرارة الشديدة التي نكابدها كل صيف؟ حاجتك لتشغيل المكيف لساعات أطول، أو مشقة العمل في ساعات الظهيرة، ليست مجرد تفاصيل يومية مزعجة، بل هي القشرة الخارجية لأزمة اقتصادية أعمق.

ما نراه طقسًا قاسيًا، يُترجم في الواقع إلى نزيف في إنتاجية الموظفين، وزيادة في النفقات التشغيلية للشركات، وضغط هائل على موارد الدول من مياه وربط كهربائي.

فاتورة الاحترار ولا تتوقف الفاتورة عند هذه الحدود، فالعامل قد يخسر ساعات من العمل والدخل، والشركة تتحمل تكاليف إضافية للطاقة والتبريد وتراجع الإنتاجية، والحكومة تضخ مزيداً من الأموال في شبكات الكهرباء والمياه والبنية التحتية، بينما قد تصل التكلفة إلى المستهلك عبر أسعار الطاقة والغذاء والخدمات، وإلى المستثمر عبر ارتفاع مخاطر الأصول وتكلفة رأس المال.

فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) مطلع هذا العام أن عام 2024 كان الأكثر حرارة على الإطلاق، بمتوسط تجاوز مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.55 درجة مئوية، فيما ظل عام 2025 عند مستويات تاريخية مرتفعة، ليصبح واحداً من أكثر ثلاثة أعوام حرارة على الإطلاق، بمتوسط يزيد 1.44 درجة مئوية على مستويات 1850-1900. كما كانت الأعوام الثلاثة من 2023 إلى 2025 الأكثر حرارة في جميع مجموعات البيانات الثماني التي تعتمد عليها المنظمة.

ويعكس هذا الواقع تحول التغير المناخي من قضية بيئية بعيدة عن الحياة اليومية إلى عامل اقتصادي مباشر يؤثر في الإنتاجية وسوق العمل والمالية العامة، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للحرارة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتكشف أوروبا بالفعل عن جانب من حجم هذه الفاتورة؛ إذ قدرت دراسة أعدها باحثون من جامعة مانهايم بالتعاون مع اقتصاديين من البنك المركزي الأوروبي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن موجات الحر والجفاف والفيضانات التي ضربت أوروبا خلال صيف 2025 بنحو 43 مليار يورو خلال العام نفسه، مع توقع ارتفاع آثارها التراكمية إلى 126 مليار يورو بحلول 2029، بعدما تأثر نحو ربع مناطق الاتحاد الأوروبي بهذه الظواهر.

لكن من يتحمل هذه الخسائر فعلياً؟

إنتاجية العامل تتراجع 25% تعتمد اقتصادات المنطقة على قطاعات كثيفة العمل الميداني، مثل الإنشاءات والطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية، وهي من أكثر القطاعات تأثراً بالإجهاد الحراري.

وتشير البيانات العلمية لعام 2026 إلى أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية إضافية قد يضع أكثر من 800 مليون شخص في المناطق المدارية والدافئة تحت ظروف عمل غير آمنة، مع احتمال انخفاض ساعات العمل في بعض الأنشطة بنسبة تصل إلى 50%.

ولا يقتصر التأثير على العمالة المباشرة، إذ تشير التقديرات إلى أن إنتاجية القطاعات المكشوفة في آسيا قد تنخفض بنحو 25% إذا ارتفع متوسط الاحترار العالمي إلى ثلاث درجات مئوية.

وتعطي تقديرات منظمة العمل الدولية مؤشراً على القيمة الاقتصادية لساعات العمل المفقودة؛ إذ تتوقع أن يؤدي الإجهاد الحراري إلى فقدان 2.2% من إجمالي ساعات العمل عالمياً بحلول عام 2030، بما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل وخسائر اقتصادية تقدر بنحو 2.4 تريليون دولار.

وترى وكالة S&P Global Ratings أن مخاطر المناخ المادية الناجمة عن تغير المناخ، بما في ذلك موجات الحر الشديدة والفيضانات وحرائق الغابات، أصبحت أكثر تواتراً وحدّة في العديد من مناطق العالم. وأوضحت في تصريحات خاصة لـ"فوربس الشرق الأوسط" أن قدرة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تجنب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه المخاطر والتعامل معها لا تزال أقل مقارنة ببعض المناطق الأخرى، مدفوعة بصورة رئيسية بتفاقم موجات الحر وارتفاع الضغوط المرتبطة بندرة المياه.

وأضافت الوكالة أن المخاطر المناخية لا تحدث عادة بصورة منفصلة، إذ يمكن أن تتداخل آثارها وتضاعف الخسائر الاقتصادية؛ فموجات الحر الشديدة، على سبيل المثال، قد تزيد حدة نقص المياه، ما يؤدي بدوره إلى خسائر أكبر في الإنتاجية. ومع اشتداد المخاطر المناخية، تتوقع الوكالة تزايد التحديات أمام دول المنطقة رغم تطبيق عدد من إجراءات التكيف وتعزيز القدرة على الصمود بالفعل.

تكاليف تشغيل أعلى وإنتاجية أقل تنتقل الفاتورة من العامل إلى الشركة، إذ لا يعني الإجهاد الحراري ساعات عمل أقل فحسب، بل يرفع كذلك الحاجة إلى التبريد واستهلاك الكهرباء، ويزيد احتمالات الغياب وتعديل ساعات العمل، فيما يمكن أن تؤدي موجات الحر والجفاف والفيضانات إلى تعطيل الإنتاج والنقل وسلاسل التوريد.

كما تمتد آثار الإجهاد الحراري إلى الاقتصاد العالمي عبر اضطرابات سلاسل الإمداد، إذ يُتوقع أن تمثل الخسائر غير المباشرة الناتجة عن تعطل سلاسل التوريد ما بين 12% و43% من إجمالي الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالإجهاد الحراري بحلول عام 2060.

الطلب على الطاقة وتظهر الضغوط بوضوح في قطاع الطاقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يمثل التبريد حالياً نحو ربع استهلاك الكهرباء السنوي ونحو نصف ذروة الطلب على الكهرباء، وفق وكالة الطاقة الدولية. وتتوقع الوكالة أن يصبح التبريد أكبر محرك لنمو الطلب على الكهرباء في المنطقة حتى عام 2035، في وقت يُتوقع أن يرتفع فيه إجمالي استهلاك الكهرباء بالمنطقة بنحو 50%.

ولا تتحمل الشركات هذه التكلفة بصورة مباشرة فقط؛ فزيادة الطلب على الكهرباء خلال فترات الحرارة القصوى تفرض ضغوطاً إضافية على الشبكات وقدرات التوليد. وعلى المستوى العالمي، أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن موجات الحر الشديدة كانت أحد العوامل التي دفعت الطلب العالمي على الكهرباء إلى الارتفاع 4.4% خلال 2024، بينما واصل الطلب في الشرق الأوسط النمو بنحو 4% خلال 2025 مع استمرار زيادة احتياجات التبريد في عدد من دول المنطقة.

الحكومات.. فاتورة الكهرباء والمياه والبنية التحتية تواجه اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع الضغوط على المالية العامة مع تزايد آثار التغير المناخي.

وتظهر البيانات أن ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة يرتبط بزيادة أعباء الديون السيادية، إذ تضطر الحكومات إلى زيادة الإنفاق على الاستجابة للكوارث، وتطوير البنية التحتية، وتمويل إجراءات التكيف مع المناخ، وهو ما يدفع العديد منها إلى زيادة الاقتراض.

ولا يتعلق الضغط بالطاقة وحدها؛ فارتفاع درجات الحرارة يتزامن في المنطقة مع ندرة المياه، ما يزيد الحاجة إلى التحلية ويضاعف الترابط بين فاتورتي المياه والكهرباء. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يأتي نحو 40% من الزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقد المقبل من التبريد وتحلية المياه معاً.

وتتوقع S&P Global Ratings أن تصبح المخاطر المناخية المادية أكثر تأثيراً في تقييماتها الائتمانية السيادية بمرور الوقت، إذ قد تؤدي الخسائر الاقتصادية وارتفاع تكاليف التعافي والتكيف إلى زيادة الضغوط على الموازنات العامة. ومع ذلك، لا يزال تأثير هذه المخاطر على التصنيفات الائتمانية محدوداً حتى الآن؛ إذ شكلت أقل من 1% من إجراءات التصنيف التي اتخذتها الوكالة عالمياً منذ أبريل/نيسان 2020.

وفي الوقت نفسه، لا تزال فجوة تمويل التكيف واسعة. تُشير تقديرات التكيف المناخي الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى وجود اتساع حاد ومقلق بين التمويل المتاح والاحتياجات المعلنة للدول النامية؛ إذ تتوقف التمويلات العامة الدولية المخصصة للتكيف عند 26 مليار دولار فقط، بينما تقفز الاحتياجات المطلوبة والمحددة في المساهمات والخطط الوطنية إلى 365 مليار دولار سنوياً.

وتحذر التقديرات من أن الاقتصادات قد تواجه انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 1.4% و4.5% سنوياً في سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة.

وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، تشير تقديرات S&P Global Ratings إلى أنها قد تكون ثالث أكثر مناطق العالم تعرضاً لخسائر الناتج المحلي الإجمالي المرتبطة بالمخاطر المناخية المادية، مع وصول الناتج المعرض للخطر إلى نحو 8% سنوياً بحلول عام 2050 في غياب إجراءات التكيف وتعزيز المرونة.

لكن الوكالة تشدد على أن هذا الرقم لا يمثل توقعاً بخسارة فعلية قدرها 8% من الناتج، إذ يفترض عدم اتخاذ إجراءات للتكيف، وثبات هيكل الاقتصاد، وحدوث جميع المخاطر المناخية التي يشملها النموذج كل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
إرم بزنس منذ 5 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 6 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 42 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 8 ساعات
إرم بزنس منذ 8 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات