بعد نحو 3 عقود من العمل والدوام والتوقيع والحضور والانصراف، يغلق المتقاعد باب مكتبه ليفتح بابًا آخر في مسقط الرأس. فالتقاعد بالنسبة إلى شريحة متزايدة لم يعد مجرد نهاية للحياة الوظيفية، بل بداية لما يمكن وصفه بـ"الهجرة العكسية"؛ من أبراج الرياض وجدة والدمام إلى القرى والمزارع والمحافظات الصغيرة، حيث الإيقاع أبطأ، والروابط الاجتماعية أكثر حضورًا، وتكاليف المعيشة أقل.
ففي الوقت الذي ارتبطت فيه العقود الماضية بهجرة الشباب من القرى والمحافظات إلى المدن الكبرى بحثًا عن العمل والفرص، بدأت مرحلة جديدة تعيد جزءًا من هذه الفئة إلى مناطقها الأصلية بعد انتهاء رحلتها الوظيفية.
ويرى مختصون في الاقتصاد وعلم الاجتماع، ومتقاعدون اختاروا العودة، تحدثوا لـ"الاقتصادية"، أن الظاهرة تحمل أبعادًا تتجاوز قرار السكن، إذ تجمع بين خفض تكلفة المعيشة للمتقاعد، وإعادة توزيع جزء من الإنفاق نحو المدن والمحافظات الصغيرة، إلى جانب استعادة الروابط الأسرية والاجتماعية التي تراجعت خلال سنوات العمل في المدن الكبرى.
35 % وفرًا في مصروف المتقاعد
يرى الأخصائي الاقتصادي فهد الداود أن المتقاعد في القرية يمكن أن يوفر نحو 35% من مصروفه الشهري، نتيجة انخفاض تكاليف المعيشة مقارنة بالمدن الكبرى مثل الرياض وجدة والمنطقة الشرقية.
وأوضح أن الفارق لا يرتبط بعنصر واحد، وإنما بمجموع النفقات اليومية، وفي مقدمتها السكن والمشتريات والتنقل، ما يجعل الانتقال إلى القرية أو المحافظة الصغيرة فرصة لإعادة ترتيب ميزانية المتقاعد بما يتناسب مع دخله الثابت.
ومع ثبات الراتب التقاعدي في كثير من الحالات، يصبح خفض المصروف أحد أهم أدوات الحفاظ على القوة الشرائية بعد انتهاء الدخل الوظيفي، وهو ما يحول التقاعد من مرحلة قد ترتفع فيها الضغوط المالية إلى فرصة لتحسين نمط الحياة وتقليل الالتزامات.
المدينة ترفع التكلفة .. والقرية تعيد توزيع الدخل
تبرز تكلفة السكن بوصفها أحد أبرز الفوارق بين الحياة في المدن الكبرى والمحافظات الصغيرة، إلى جانب تكاليف الوقود والتنقل والمشتريات اليومية.
ويقول متقاعدون عادوا إلى مناطقهم الأصلية إن انخفاض هذه النفقات يمنحهم مساحة مالية أكبر، ويجعل المعاش التقاعدي أكثر قدرة على تغطية احتياجاتهم، خصوصًا بعد انتهاء الالتزامات المرتبطة بالعمل اليومي.
ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على المتقاعد نفسه، إذ إن انتقال جزء من الإنفاق من المدن الكبرى إلى المحافظات والقرى يعني إعادة تدوير الدخل داخل اقتصادات محلية أصغر، عبر الإنفاق على المتاجر والخدمات والمزارع والأنشطة المحلية.
التقاعد يعيد المتقاعد إلى جذوره
من الجانب الاجتماعي، تؤكد بشرى آل إبراهيم، الأخصائية الاجتماعية، أن عددًا من المدن الصغيرة والمحافظات السعودية يشهد عودة متزايدة للمتقاعدين بعد سنوات طويلة من العمل في المدن الكبيرة، بهدف تحقيق جودة حياة أعلى والاستفادة من انخفاض تكاليف المعيشة.
وقالت إن التقاعد يمثل نقطة تحول في حياة الفرد، إذ يشعر كثير من المتقاعدين بعد سنوات العمل بضغط المدينة وضجيجها وزحامها، فيختارون العودة إلى المحافظات الصغيرة ومسقط الرأس بحثًا عن الهدوء واستعادة العلاقات الأسرية التي تباعدت خلال سنوات العمل.
وترى أن العودة لا تعني فقط تغيير العنوان السكني، وإنما استعادة شبكة اجتماعية كانت جزءًا من حياة المتقاعد قبل انتقاله إلى المدينة، خصوصًا في المناطق التي لا تزال فيها الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي أكثر حضورًا.
30 عامًا من العمل تنتهي بالعودة إلى المجمعة
اختار إبراهيم الناصر، أحد المتقاعدين، مسقط رأسه المجمعة شمال الرياض، للاستقرار فيها بعد مسيرة عمل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
